من صعدة إلى الحراك انتقال المواجهة!
توفيق الحرازي
التغير نت
ملف صعدة كان لابد أن يغلق فعلاً كما تعالت أصوات معظمنا دائماً..
ملف صعدة كان لابد أن تهدأ جبهاته بأي شكل.. ليس لصعوبة خيار الحسم العسكري وثمنه الباهظ فقط.. بل لأن ثمة "حراكاً" على الضفة الأخرى لا يبدو انه سيغلق بسهولة، هو بأمس الحاجة للتفرغ..
مصدر الخطورة في الضفة الأخرى ليس لأن الحراكيين يمتلكون العتاد والقوة الكافية التي تمكنهم من تهديد الوحدة.. وإنما لأن ثمة عتاداً آخر وقوة مختلفة وثقافة مغايرة تماماً تحركهم.. لتجعل المواجهة هنا أصعب من ملف صعدة بكثير ما لم يتم تداركهم، نظراً لاختلافها عنها في نقطة جوهرية ومهمة للغاية.. هي أنها مواجهة "نفسية واجتماعية" بامتياز.
ربما بدت المعركة مع الحوثيين أخف وطأة لأنها كانت مواجهة في قضية وأهداف غير واضحة المعالم، أو على الأقل ظل أصحابها ينكرونها حتى آخر لحظة.. وكانت ضد طرف تحركه ثقافة "عقائدية".. أما مع الحراك فالوضع معقد.. لأنها معركة مع ثقافة مختلفة كليةً.. ثقافة "كراهية" جهوية منذ نكبة94 ، تحتاج لمواجهة "نفسية"..
في صعدة ظل بإمكان المواطن هناك أن يبدي ولاءه للحوثيين أو مسالمته وعدم ولائه لأي طرف ليسلم شرهم.. وهناك من لا ينكر يمنيته.. أما في قضية الحراكيين فأنت مهدد بتصفية جهوية ومحسوب أنك "من اليمن الواحد" مهما أبديت ولاءك أو تعايشك أو مسالمتك..
المسألة هنا بحاجة لطريقة حسم عقلانية وحكمة تعامل ودقة إدانة تشبه الطريقة التي توصل إليها المغتربون في بريطانيا عندما لجأوا للقضاء والعدالة الدولية لينجحوا في إيقاف بث قناة "عدن" الانفصالية دون أي ضجيج ، بحجة إثارتها العنصرية والكراهية الوطنية والحقد الدفين ضد مواطني المحافظات الشمالية.. ولم يقف القضاء هناك مع حرية التعبير واحترام الرأي الآخر في مسألة خطيرة كهذه.. بل استند إلى الحد الفاصل والواضح بين "الحرية" و"الثوابت".
سبق أن طرحنا في أعداد سابقة بأنه حتى الحرية المفتوحة والديمقراطية الشاملة والنضالات السلمية التي يزايد بها العالم المتقدم لها سقف دولي متعارف عليه قد لا يدركه اللاعبون بالنار.. فالعنصرية والتحريض ضد جنس أو عرق أو دولة أو مجتمع أو دين أو مذهب مسألة محرمة ومجرّمة تماماً هناك.. حتى وإن كانت "لفظة" لمجرد المزاح.. كذلك مسألة الدعوة إلى الكراهية الاجتماعية والدينية والوطنية محرّمة مجرّمة جملة وتفصيلاً.. ما بالنا وقد تحول الأمر إلى "قتل" بالهوية ، أو عدوان على كل من يمثل دولة؟؟ ماذا ننتظر بعدها؟؟
فرق بين أن تناضل وتقاتل.. وفرق أيضاً بين أن تقاتل و"تقتل"!!.. فرق أن تتعامل بثقافة تتغير بالإقناع.. وأن تقاتل بثقافة اقتلاع.. فرق أن تقاتل بثقافة عقائدية "مذهبية" وربما "ولاءات إقليمية" قد توصلك بالحوار والتفاهم والتطمينات ولجان الوساطة الى صيغة تعايش مشتركة واحترام كيانك وطقوسك ولو بعد حين.. وبين أن تقتل وانت تكن الكراهية والحقد الدفين وتتربص لكل ما ينتمي "لليمن الموحد" وترفض أية صيغة للتوحد والتعايش المشترك.. وهنا مكمن الخطورة.
المسألة فعلاً بحاجة لحراك مجتمع ومسئولية جماعية مشتركة باتجاه هذه القضية.. ولا بد للعلم هنا أن يدير المواجهة.. ليس أقل من علماء النفس والاجتماع والفلسفة والإعلام الاجتماعي لإدارة معركة نفسية واجتماعية وإعلامية تهز الأمن القومي للبلد.. وتهدد السلم الاجتماعي.. وتصيب الوحدة الوطنية بمقتل.. لأن القبضة الحديدية والعقلية الأمنية ربما تساعد.. ربما تخدّر.. لكنها وحدها لن تجدي على الإطلاق.. لأن النزيف يولد النزيف الآخر!!