![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
#1 | ||
|
~وَفَـــًــآتْ حَـــــًــرْفْ ~
![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 28 - 9 - 2012
الدولة: حوآنيتُ الذآكرةْ
المشاركات: 2,021
معدل تقييم المستوى: 308 ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بنظرات متهالكة لا تكاد تطال السماء . لا ترفع ناظرها للسحاب حتى تتدارك خطأها الفادح وتصفع عيناها بالأرض . تخشى ان يرى احدهم عيناها وهي نائمة فوق السحاب تنعم بقسط من الراحة ، فقد اضحت الراحة ماركة غير متداولة وحكراً للمرفهين في الأرض . كعادتها مريم تحضر بعد صياح الديك وتباشر عملها على عجل حتى تنهيه قبل الغروب وتعود جارة كسرة خبز وبقايا طعام وبعض الكرامة إلى ابنتها . بدأت بنفض غبار تكدس من ارواحنا النتنه وبقايا اخلاقنا وقامت بغسل فضلات تساقطت من ضمائرنا . بيدين ترتعشان وظهر منحني وعقل شارد اشعلت النار تحت قدور الطعام وشرعت بطهي كل ما هو محشو بالدهون فا انفة والدتي لم ترضى بأقل من كولسترول ينافس الطبقة المخملية وكان لا بُد من تقليل الخضار على مائدتنا ولطالما تمنت النقرس فهو داء الملوك تخيلت كثيراً إصابتها به وحلمت كثيراً بلحظة نشرها خبر وصولها لسدة البذخ ونيلها وسام النقرس الذي استحقته وبجدارة . اقتربتُ منها اكثر واستمعتُ لأصوات تصدرها القدور اثناء تقليب الطعام كان للخضار وشوشه وانين وهي تُقلى في زيت غزير حار وكان للدجاج واللحوم صرخات وشهقات ، كانوا كمن يطلب النجدة والخلاص ، لكن هيهات ان يغيثها احدنا لكانت والدتي جمعتنا بدل عنها وقامت بطهينا جميعاً . لطالما استهوتني الروائح المنبعثة من الاطباق المختلفة التي اعتادت مريم طهوها كانت تجتمع تلك الروائح كالسحاب تتدلى من سطح المطبخ مزيج منها وكأنهُ العطور بل اطيب منها . كانت رائحة الطعام احب إلى نفسي من الطعام نفسه وكنتُ دوماً اتتبع اثر روائح الطعام في كل مكان إلا اني لم اجد كروائح الطعام الذي تعدهُ مريم . جلستُ اتأملها بصمت مطبق ، كانت حركاتها شديدة الإتقان وكأنها جنية المطبخ اتت من عوالم الفانوس إلى دارنا لتنقذ أمي التي لاتجيد في الحياة شيئاً سوى الصراخ . قطع لجة تفكيري وحديث نفسي صوت غريب جديد علي . كان لحركتها اصوات اهتزاز ولدقات قلبها صخب كأنها طبول تقرع في يوم اسود غائم كصدرها المعتم كانت تلك اول مرة استمع فيها لصوت مفاصلها وانين يشق صدر انفاسها . بدت باهتة الملامح شاحبة اللون سابحة في شيء ما وكأنها الغريق في البحر تتقاذفه الأمواج وهو صريع لا يعي شيء سوى طريق النجاة يتشبث بكل ريح عابرة وكل عاصفة وكل موجة . يتشبث حتى اخر قطرة أمل تجري في دمه هي كذالك تحاول التشبث بشيء .. وهي الغارقة في شيء اكبر ..لم تتنبه لوجودي ولم تحدثني منذُ الصباح . اقتربتُ منها ومددتُ كفي الصغيرة والندية ووضعتها على كفها كثيرة الغضون والندوب ، مستوقفه لهآ وهي في غمرة العمل ، وبنظرات حائرة سألتها : _ ما بالك اليوم يا خالة تبدين كمن ولد من رحم العذاب لتوه كدمعة على خد يتيم وحيدة وشريدة . وبنظرات دافئة كقلبها الحنون ، حملتني إلى الطاولة غمرتني بجسدها كصدفة تحيط بالمحار ادفئت قلبي وأحاطتني من كل جانب . طال عناقها حتى اعتقد انه لن ينتهي وكأنها المرة الأخيرة التي تضمني بها إلى صدرها . تبسمت ابتسامة ذليلة ، قلقة ومنهكة .ابتسامة تخفي في جوفها الف طعنة و الف دمعة .وران الصمت بيننا وطال هنيهة ثم قطعت كبد الصمت بسهم نازف بدمائها . تأملتني وبعين دامعة قالت : _ اتعلمين يا فرح لدي ابنة بمثل عمرك لها وجه صغير كوجهكِ الجميل ، لكن ابنتي ينقص وجهها البسمة والراحة التي تكسو وجهكِ البهي .فابتسامتها كسيرة كظهري الذي مال من ثقل العبء الذي احملة . هي تحمل ابتسامتي انا ابتسامة ضريرة ملؤها اليأس والتعاسة مثل ايامنا ابتسامة ضائعة تبحث عن ماء وجه يغسلها وعن كرامة ترسمها ، تبحث عن وطن . ثم اطرقت رأسها واختفى عقلها عن الأنظار عادت لشرودها الغريب . كان وجهها يبدو قاتم اليوم على غير عادته وحوله هالة من وجوم من بعد وكأنها رحلت إلى عالم اخر عالم النسيان . ذهبت إلى المغسلة و أصبغت وجهها بالماء وكررت ذك الغمر مراراً لكأنها تغسل قلبها و أيامها من جروح عالقة . ران الصمت من جديد بيننا مكثتُ اراقبها بقلبٍ مُحب وعين دامعة ، تأملت عروقها الخضراء كأغصان شجرة مستقلة جذورها قلب متعب من ضيم الحياة . لم القي بال من قبل لتجاعيد غزتها حتى كأنها سدرة يابسة لا ماء يرويها او ربما ماءها ينبع من عرق جبينها المتساقط كحبات المطر يهطل كل حين . اخبرتُها انها تبدو عجوز اليوم. تبسمت من قولي وقالت بصوت مصحوب بحشرجة وآه تشق الهواء : _ انا عجوز مذ ولدتُ إنما اليوم اتضحت لكِ الرؤية او انهُ يومي الأخير لذا تناسلت تجاعيد وجهي وتكاثر الشيب حتى اضحى واضح للأعمى والبصير . و اردفت قائلة نادي والدتكِ إلى الطعام فقد انتهيت ُ منه . ذهبتُ إلى والدتي اناديها . وحين وصلنا إلى طاولة الطعام وجدنا كُل الاطباق ممدة فوق الطاولة مرتبة بطريقة شهية تجبرك على التهامها حتى اخر رمق . كانت تلك احد ملكاتها ، مريم لم ينافسها احد في فن تقديم الطعام كانت رغم فقرها ارستقراطية في حديثها و تعابير وجهها واناقتها في تقديم الطعام . جلست امي على كرسيها في مقدمة الطاولة تتأمل الأكل بأنفة وخيلاء بدأت بتذوقه كما يتذوق نقاد المطاعم اطباق المطاعم الجديدة بتأني وتأمل كبيرين فهي اعتادت على نثر الانتقادات اينما حلت ولجميع الناس . ولكن كان انتقادها طعنة في قلب الكرامة صفعة للإنسانية واغتيال للبشر ، بصوت مبحوح وبحروف نارية قالت : شاخت يداكِ ياَ مريم لعلها تحتاج بتر ، او ان الوقت حان لتبديلكِ بأُخرى شابة خلاقة وذكية ، لا يزعجني منظرها البائس ولا يرهقني ابيضاض شعرها . وجهت امي صفعة رأيتها تخترق كرامة مريم وترتطم بقلبها فتدميه ليست دماء ما رأيتها تنفرط كعقد لؤلؤ ارتطم لتوه على الأرض رأيت سنين العمر تنسلخ منها رأيت كبرياء اذل نفسهُ لأجل لقمة عيش باردة ، رأيتُ اشباح احزان تهاوت وتكاثرت من حولنا وازدحم بها المكان .حتى شعرت انها تخنقني كأنها تنتقم لمريم مني انا . ارتعدت سحنة مريم ولكنها تمالكت نفسها واستجمعت قواها وقالت بصوت كسير كأنهُ البكاء : _ لا حاجة لذالك يا سيدتي اعدكِ ان ما حدث لن يتكرر واني سأقطع يَديّ أن تكررت اطباقي الشائخة . انصرفت مريم على عجل تجر بقايا كرامتها . اكملت امي تناول طعامها ، و انا بقيتُ على حالِي صامتة ومنكسرة لم استطع الدفاع عن مريم لم انصرها مرت ساعة ثم رأيتُ مريم تغادر المنزل دونما بقايا طعام مضت تجر فقط بقايا كرامة سُفكت دمائها الطاهرة وعلى عتبة الباب خُيل إلي انيِ رأيتُ شبح يتهاوى كان شبح ظلها بل كان ظلها يتهاوى لم تستطع المكوث طويلاً بغير كرامة ..فلحقت بها تناثرت على الأرض هي واحلامها وكل تلك الأعباء العالقة بجيدها نفقت وتركت ابنتان ونصف بيت و لا امل . لهول الصدمة تسمرت اطرافي ثم هويت مغشي علي ..واليوم التالي افقتُ على صوت جديد وغريب لم يكن صوت نبض مريم كان صوت سعاد خادمة جديدة اقمتُ لها مأتم وحداد في قلبي فقط وكعادتها والدتي لم تعطي حتى الموت حقه .. (البعض يفطمهُ الحزن والبعض يمر الحُزن بقرب دارة مرة كُل ألف عام ) وانا مر بعتبة داري يوم وفاتها بينما هي كانت ترضعهُ كُل يوم حتى تسممت دمائها وماتت يوم ان مر بي في ذات العتبة وذات اللحظة . " اُحجية "
__________________
الأمل محض اسطورة .. تُحكى للصغار التعديل الأخير تم بواسطة أُح ــجيـَة ! ; 03-12-2012 الساعة 01:35 AM. |
||
|
|
|
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|