![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
#1 | ||
![]() تاريخ التسجيل: 28 - 1 - 2015
الدولة: اليمن
المشاركات: 83
معدل تقييم المستوى: 44
|
غير أن أعجب الذواكر ليست تلك المحفوظة في الأجهزة، بل تلك المستقرة في أعماق الإنسان. فالقلب، شأنه شأن الذاكرة، يضيق إذا أثقلناه بما لا ينفع، وتخور قواه إذا ازدحم بالهموم، واستوطنته الخيبات، وأقام فيه الحزن طويلًا. وما أكثر ما نحمل معنا من ذكرياتٍ كان الأولى أن نودعها، ومن علاقاتٍ استنزفت أرواحنا أكثر مما أغنتها، ومن معاركَ خضناها فلم نحصد منها إلا التعب، ومن أفكارٍ ظلت تدور في أروقة العقل حتى أرهقت الفكر وأطفأت وهج الطمأنينة. ولذلك فإن من أسمى صور الحكمة أن يقف المرء مع نفسه وقفة صدق، يفتش فيها أرجاء روحه كما يفتش المسافر أمتعته قبل مواصلة الطريق، فيسأل قلبه: ما الذي يستحق أن أبقيه؟ وما الذي آن له أن يرحل في هدوء، دون عتابٍ أو أسف؟ فليس كل ما مرّ بنا جديرًا أن يقيم في ذاكرتنا، وليس كل من رافقنا خُلق ليبقى، وليست كل معركةٍ تلوح في الأفق تستحق أن نستهلك فيها أعمارنا وسلامنا. إن الحياة لا تثقل بكثرة ما فيها، وإنما تثقل بكثرة ما نحمله منها. فإذا أحسن الإنسان فنَّ التخلّي، انفسحت في روحه مساحاتٌ للنور، وانجلت عن قلبه غشاوة الكدر، وأصبح أكثر قدرةً على استقبال الأيام بقلبٍ مطمئن، ونفسٍ راضية، وروحٍ تعرف كيف تفرّق بين ما يُحمل، وما ينبغي أن يُترك. فطهّر قلبك مما أنهكه، وأطلق سراح ما أثقل روحك، وتمسّك بكل معنى يزرع فيك يقينًا، ويمنحك سكينة، ويزيدك قربًا من الله، ومن نفسك، ومن الحياة. فإن أجمل ما يفعله الإنسان في رحلة عمره، ليس أن يجمع كل شيء، بل أن يعرف ماذا يترك... ومتى يتركه. دمت بخير و دامت قلوبكم مليئة بالخير
|
||
|
|
|
|
|
#2 |
![]() تاريخ التسجيل: 28 - 1 - 2015
الدولة: اليمن
المشاركات: 83
معدل تقييم المستوى: 44
|
لقد غدت عند بعض الناس العلاقات عقودًا غير مكتوبة؛ لكل معروف ثمن، ولكل إحسان مقابل، ولكل ابتسامة حساب. فإذا توقف العطاء، توقفت المشاعر، وإذا انقطعت المنفعة، انقطعت الصلة، وكأن المحبة لم تكن إلا اسمًا تتزين به المصالح. ولكن... أين هذا من الإسلام؟ أين هو من دينٍ جعل الأخوة عقيدة، والإحسان عبادة، والعطاء قربة، وابتغاء وجه الله غاية؟ إن الإسلام لم يُربِّ أبناءه على المتاجرة بالمعروف، ولا على استعباد الناس بالإحسان، ولا على انتظار المقابل بعد كل يدٍ امتدت بالخير. الإسلام بريء من هذه النفوس، براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام. فالمعروف في الإسلام لا يُمنّ به، والإحسان لا يُبتز به، والمحبة الصادقة لا تُقاس بما يعود على صاحبها من منفعة. أعطِ لأن الله يحب المحسنين، وأعن لأن الله يحب المتعاونين، وأخلص لأن ما عند الله لا يضيع. ولا تنتظر من الناس وفاءً يساوي عطاءك، فإن الجزاء الحقيقي ليس في الأرض، وإنما عند رب الأرض والسماء. فطوبى لمن أحسن ثم مضى، ولم يلتفت إلا إلى رضا الله، وجعل المعروف رسالة، والإخاء عبادة، والمحبة خالصة لوجه الكريم؛ فهؤلاء هم الذين تبقى آثارهم في القلوب، وإن غابوا عن العيون. |
|
|
|
|
|
#3 |
![]() تاريخ التسجيل: 28 - 1 - 2015
الدولة: اليمن
المشاركات: 83
معدل تقييم المستوى: 44
|
فالسكينة لا تُصنع بالأماكن، بل بالأرواح. والاحتواء لا تُجيده الكلمات وحدها، بل تصنعه المواقف الصادقة، والنظرات التي تفهم، والصمت الذي يربّت على القلب أكثر من ألف حديث. ومع مرور الأعوام، يكتشف الإنسان أن أثمن ما يناله في هذه الحياة ليس كثرة الإنجازات، ولا صخب الانتصارات، وإنما روحٌ إذا ضاقت به الدنيا وسعته، وإذا أثقله الطريق خففت عنه عناء المسير، دون أن تطلب منه تفسيرًا لألمه أو تبريرًا لصمته. متى نستريح إن أجمل الأرواح هي تلك التي تقرأ ما تعجز عنه الكلمات، وتفهم ما تخفيه الملامح، وتدرك أن بعض القلوب لا تحتاج إلى حلول، بقدر حاجتها إلى من يبقى بجوارها. وما أندر أن يرزق الله الإنسان بمن يكون له وطنًا من السكينة؛ وجوده يبدد وحشة الأيام، وقربه يعيد إلى القلب اتزانه، ويمنح الروح يقينًا بأن الرحلة، مهما طالت، تصبح أهون حين نجد من نتكئ عليه بمحبةٍ صادقة. فليست المحبة أن نمتلك من نحب، بل أن نكون له ملاذًا إذا ضاقت به الحياة، وسكينةً إذا أثقلته الأيام، ورحمةً إذا أنهكه الطريق. فهناك أرواحٌ لا تغيّر مجرى العمر، لكنها تجعل عبوره أكثر دفئًا... وأكثر سلامًا. |
|
|
|
|
|
#4 |
![]() تاريخ التسجيل: 28 - 1 - 2015
الدولة: اليمن
المشاركات: 83
معدل تقييم المستوى: 44
|
فأقسى الغربة ليست أن تكون بعيدًا عن الناس، بل أن تكون قريبًا منهم، ولا يجد أحدٌ الطريق إلى قلبك. ما أجمل أن تلتقي بمن يتحدث لغة روحك؛ فيقرأ حزنك من ملامحك، ويفهم صمتك، ويشعر بثقل ما تخفيه دون أن تسرده. عندها فقط تدرك أن بعض الأرواح خُلقت لتكون وطنًا، لا سؤالًا، وسكينةً، لا حيرة. فليست كل القلوب تُفهم، وليست كل الأرواح تلتقي... ولكن إذا رزقك الله بمن يفهمك دون عناء، فاعلم أنها من أجلّ النعم التي لا تُشترى ولا تُعوَّض. |
|
|
|
|
|
#5 |
![]() تاريخ التسجيل: 28 - 1 - 2015
الدولة: اليمن
المشاركات: 83
معدل تقييم المستوى: 44
|
فليس الفضل أن تُحسن إلى من تحب، وإنما الفضل أن تحفظ حق من اختلفت معه، وأن يبقى لسانك طاهرًا، ويدك بيضاء، وقلبك مترفعًا عن الإساءة، وإن انطفأت المودة. إن الأصيل لا تقوده عاطفته، بل تقوده مبادئه. فإذا أحب لم يُفرط، وإذا غضب لم يَظلم، وإذا افترق لم ينسَ الفضل، لأن الأخلاق عنده عهدٌ مع الله، لا مزاجٌ يتبدل مع الناس. فلا تختبر الناس في أيام الوفاق، فالجميع يُحسنون حين تصفو القلوب. اختبرهم عند الاختلاف؛ فهناك تتجرد النفوس من زينتها، وتسقط الأقنعة، وتظهر معادن الرجال. وما أجمل قولهم: إذا انتهت المودة، فلتبقَ الأخلاق... فالأخلاق هي آخر ما ينبغي أن يغادر الإنسان. |
|
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|