ما إن تنتهي من قراءة خبر حتى يطل عليك خبر آخر، ولا تكاد تمر لحظة إلا وتتوالى عليك الأخبار من كل حدب صوب سواء من القنوات الفضائية أو المواقع الإلكترونية أو الصحف أو رسائل الموبايل ، قتل خمسة أشخاص، قتل عشرة ، ازداد عدد القتلى ، اغتيال ضابط ، اغتيال مدير ، تقطع لدورية عسكرية، هجوم على منزل ، صدام مسلح بين عناصر من الأمن وعناصر من تنظيم القاعدة ، صدام مسلح بين عناصر من الأمن وعناصر من الحراك ، خطف صحفي من منزلة ـ سلوك نظامي ـ اعتداء على دورية ـ رصاصة مجهولة تودي بحياة الفقيد طيب الله ثراه ـ الفقيد أم الشهيد ـ سرطان الدم يكاد يقضي على قرية كاملة ، غلاء المعيشة توحي بتدهور كبير لحالة الناس وتزيد من الأزمات داخل البلاد ، مسلحون يهاجمون ، قبائل تقطع الطريق المؤدي إلى السلم الاجتماعي ، دعوات مطالبة بالانفصال ، ومخاوف كبيرة من حرب سابعة في صعدة ، العثور على جثة ممثل بها في ....الخ.
هذه سلسلة أخبار وطنية يبدو أنها تدون يوماً بعد يوم والكل يدون بطريقته فالنظام يطلق ما يطلق مننداً ومشجباً ومتهماً ويوجه كل ما يحدث للضغط على القابلين بالحوار "المشترك" والوعيد لمن رفضوا الحوار أصلاً، والجنوبيون يدونون ويحكون ما يحدث كما يحلو لهم في كتابة هذا التاريخ، الحوثيون كذلك يعلقون صور الشهداء بحسب زعمهم في المنازل ليتذكرون الألم .فالجميع يمارس التعبئة والتعبئة المضادة كما يتصور هو حقائق الأمور وطبائع الأشياء التي حدثت ومازالت تحدث ، أما المثقفين والمفكرين فإنهم يكتبون مختلفين ومتفقين بين مؤيد لجهة ومستنكر أعمال جهة أخرى لتبقى الحقيقة في أذهان كثيرين مخفية وتنزل علينا قطرة قطرة وعبر الاستنتاج والتحليل فقط ، و التاريخ يكتب ويسجل رضينا جميعاً أم أبينا ، و يبدو أن هناك أطراف كثيرة تريد إعادة كتابة التاريخ القديم أيضاً بطريقة مختلفة أي تعيد كتابة ما حدث في الماضي بحسب ما يحدث في الحاضر ـ بالمقلوب طبعاً ـ ،حيث الكل يدعي أنه صاحب الحق والعصمة وأن البقية هم في ظلال مبين ، الكل يدعي أنه الصواب وأن غيره غارق في الخطأ والخطيئة.
النظام يتصرف باعتباره راعي القانون وحامي حمى البلاد بدعوى أن كل ما يصنعه يصب في صالح اليمن واستقراره ـ هكذا هو يقول عندما يضرب ويقصف ـ ، والقاعدة تقاتل وترتكب الحماقات هنا وهناك بدعاوى مزيفه ضالة مضلله تحاول أن تفخخ بلداً وتزيد من همه وقلقه وباسم القرآن والرسول مما يعني دخولنا في اليمن في تشريع جديد و ذبح باسم الشريعة الإسلامية ، والجنوبيون يرفعون صور الشهداء ويسكتون على أحداث القتل التي تدب في أوساطهم دون رادع من قبلهم مما يجعل الحراك الجنوبي حراكاً مشوهاً حيث شريعة القتل والانتقام بدت تسود لتلحق بالحراك الجنوبي خسائر باهظة تطال ثقة الناس به ، وتطلعهم لسلوكه الذي بدأه بتظاهرات سلمية واعتصامات بدون قتل أو حرق أو نهب.
قد يقول قائل السلطة هي من تقتل المعتصمين، هي من تغتال الحراكيين ،هي من أخرجت الناس عن طورهم.
فأقول أن هذا قد يكون صحيحاً لكن السلطة لن تقتل كل الحراكيين، ولن تستطيع أن تغتال ربع الأمة أو عشرها ، لن تستطيع أن تخمد تحرك مدنياً يحافظ على مدنيته وشبابه وألقه ومنهجه وتطلعاته الشريفة بالوسائل السلمية التي تعبر عن ثقافة هذا الفكر وهذا ا لمنهج والذي ينادوننا بإتباعه وتحمل مسؤلية تبعيته والانقياد وراءه ،إننا نتقدم للأمام خطوة نحو الفهم ، ونتراجع خطوتين في التفكير المعمق في الممارسات الغير لائقة بثقافة شعب وبنهج فئة ربما خدمتها الظروف والطبيعة وحتى التاريخ أكثر مما خدمها الفكر ، حيث تراجعت الثقافة الفكرية والسياسية ودخلنا جميعاً في صناعة خبر ومشاهد ، وظهور صور واختفاء أخرى بطريقة تدعوا إلى السخرية ، فما نكاد نفهم ، حتى نجهل ،وهذه هنا ليست طبيعة العلم ، إنها طبيعة الأنظمة العربية والممارسات العربية التي ترسخ الجهل وتدعوك إلى التطنيش، وتحرضك على الفردية بدعوى الرجولة وإثبات الذات بعيداً عن الجماعة.
لقد كان صناعة الخبر مقصوراً في فترة من الفترات على أفتتح ودشن ووضع وكتب وبعث ورحل وألقى ودعا وهنأ وعزى والتقى والذي يمثله الإعلام السلطوي بالطبع مع صناعة خبر أخف مما نشهده الآن والذي سببه انهيار قيمي وأخلاقي كبير لدى صناع الأخبار ليتصدر وسائل الإعلام السلطوي و الإعلام المعارض مفردات جديدة من أمثال قتل وتقطع وندد واعتدى ورد وصرح وهدد ونوهى وحذر ، لتدخل اليمن في نفق ليس له طرف كما يبدو وخلافات كثيرة وكبيرة تناطح بضخامتها مفاهيم لطالما ظل الخبر مقتصراً عليها لفترات طويلة كالجمهورية والوحدة والديمقراطية.
جميعنا يرى وطناً بلون الدم ، لا لغة سوى لغة الرصاص والتجمعات والتحالفات ، فوضى لم نشهد لها مثيل ،وأخبار تشيب لها الرؤوس ،وتفكير مطول عن الحل ؟ ، فلا تكاد تلتقي أحداً حتى يسألك اليوم مواجهات في صعدة ، اعتداء في أبين ، وقتل في لودر ، ويسألونك عن رأيك فيما يحدث هنا وهناك ، ولا تكاد تصافح أحدهم حتى يقول لك أيش الأخبار اليوم قالوا في وفي وفي وفي ...ألخ.
إنه يسأل لا لكي يعرف فالناس تعرف وتترقب ولكن لكي يفهم ولا أحد يفهم .. هل أصابتنا دعوة نوح فدخلنا في طوفان القتل والاغتيال والخطف وحكمة الفرقة والتشتت والتشرذم؟ ، أم أنها مرحلة اختبار سوف نتخطاها؟ ، أم أننا نتحرك بإرادة آخرين يملكون تصرفاتنا كما يملكون قرارنا وحريتنا ؟ لا تستغربوا فنحن عبيد الجهل وعدم الفهم ، نحن عبيد الفقر والحاجة ، ألا يحزنكم أن يصدق الناس من يعبث بهم طوال العام ويصرف كيس بر خلال الشهر الفضيل ، لماذا لا يكون هذا الخبر في متناول الإعلام حتى نفهم جميعاً بأننا أدوات فقط بيد الغير ووسائل بيد أصحاب القرار ، وصناديق تفتح وتقفل حسب المزاج.
متى ينظر صناع الأخبار المؤسفة والمحزنة إلى قلوبهم ليحاولوا تصفيتها وتنقيتها من الأحقاد والأضغان والفتن ، إن هذا الشهر الفضيل فرصتهم لذلك، إنه فرصة للتقرب إلى الله بالتسامح والمحبة والرحمة بالمساكين والمحتاجين ، إنه فرصة للتعاون والتآزر والوقوف معاً لتجاوز المحن ، إنه فرصة للتوبة إلى الله وطلب المغفرة منه تعالى ، إنه فرصة لزرع البسمة وإبراز الفرحة.
هل يعي صناع الأخبار المؤلمة "السلطة ـ الجنوبيون ـ الحوثيون ـ القاعدة " ذلك أم على قلوب أقفالها.
طه الإدريسي