رد: رجل على طريق الرئاسة (( أسرار يوم 17 يوليو1978م ))
جدة صنعاء وتشكيل المجلس الرئاسي المؤقت
وبالعودة إلى ساعة الحدث الرئيسي فإنه في الوقت الذي جرت فيه عملية اغتيال الرئيس أحمد حسين الغشمي كان رئيس هيئة الأركان العامة المقدم علي الشيبه يحلق بطائرة مروحية متجهاً إلى مدينة تعز في مهمة رسمية لتقليد مجموعة من الضباط والمراتب بالأوسمة، وبينما كانت طائرته على وشك الهبوط في تعز تلقى اتصالاً لاسلكياً على مقصورة الطيار من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة طالبين منه العودة فوراً إلى صنعاء لأمرٍ طارئ جداً.
ولما كان قائد منطقة تعز الرائد علي عبدالله صالح في الانتظار، اتصل به المقدم علي الشيبه ليطلعه على إن هناك خطب طارئ قد ألم بالعاصمة يستوجب إلغاء مراسيم تقليد الأوسمة والعودة إلى صنعاء في الحال، وكان صالح على علم بوقوع انفجار بمقر القيادة إلا أن أحداً لم يطلعه على مصير الرئيس.
ويبدو أن القلق قد تمكن من قلب الرائد علي عبدالله صالح وكأنه كان مرتاباً من الوضع السياسي العام في اليمن وغير مطمئناً إلى مستقبل المسارات التي كان ينتهجها الرئيس الغشمي، أو أنه كان متوجساً خيفة من استشراء النفوذ الجنوبي وتوغله المريب بين صفوف المجتمع اليمني، وهو الأمر الذي دفعه إلى الإلحاح على رئيس هيئة الأركان العامة بضرورة الهبوط في تعز ليتسنى له مرافقته إلى صنعاء والوقوف على ما يدور هناك عن كثب.
وبالفعل تمكن من إقناع الشيبة بمبررات اصطحابه معه بعد أن كاشفه بما يدور في خلده من هواجس وظنون، وإمكانية حدوث إنقلاب أو أمر من هذا القبيل قد يجنح بالبلاد والعباد نحو مصير مجهول، وهكذا توجه علي عبدالله صالح وبعض مرافقيه بصحبة الشيبة نحو العاصمة، وما أن هبطت الطائرة في صنعاء كان الرائد علي عبدالله صالح يعد نفسه ورفقته بحذر، ويأخذ احتياطاته لاحتمالية أن تكون الطائرة قد حوصرت من قبل قوات انقلابية تمكنت من الإمساك بزمام الأمور في صنعاء.
لكنه مالبث أن اكتشف أن لا شيء مما كان يدور في خلده قد حدث، وبدت له الأمور طبيعية في المطار، فقرر أن ينسل خلسة من بين رفاقه ويتوجه إلى أحد المعسكرات القريبة من المطار دون أن يخبر حتى مرافقيه من الحراسات الخاصة، وهو حتى هذه اللحظة لم يكن قد وصله نبأ اغتيال الرئيس.
وعندما وصل إلى هناك كانت المفاجأة بانتظاره. إذ اكتشف أن هناك ما بين (30-40)مدرعة كانت تتحرك متوجهة صوب مدينة صنعاء. وكان الرائد علي عبدالله صالح على معرفة بالضابط المسئول على تلك الدروع فاستعلم منه الغرض فأجابه الضابط بأن أخا الرئيس كان قد أصدر الأوامر له بالتحرك نحو صنعاء والشروع بإطلاق النار هناك. فعاود الرائد صالح للاستفسار منه عمن كانوا يريدون إطلاق النار عليهم .. لكن الضابط لم يجد ما يجيب به عليه، فهو لم يكن يعرف أي شيء عن الهدف. وكان تحريكه للدروع باتجاه صنعاء مجرد تنفيذ للأوامر الصادرة إليه من قيادته العليا.
وبحكم العلاقة الجيدة التي كانت بين الرائد علي عبدالله صالح وفيلق الدروع تبنى الرائد صالح على عاتقه مسئولية اتخاذ قراره الأول في هذه الفترة بإيقاف حركة الدروع ومنعها من دخول صنعاء.. وخلال ذلك بلغه العلم من أحد الضباط بأن هناك اجتماعاً رسمياً يعقد في القيادة العامة للقوات المسلحة. فبادر بالاتصال بالمسئولين المجتمعين الذين وجهوا له الدعوة لحضور الاجتماع في الحال.
تجلت الصورة الكاملة للموقف العصيب الذي وضعت فيه الجمهورية العربية اليمنية وبدا الرائد علي عبدالله صالح كما لو أنه قرأ الوجوه الموسومة بالقلق الشديد والإرباك والخوف أحياناً، واستشف منها حالة الترقب القاتلة وهي ترتسم في الحدقات كأنها على موعد مع قدر سحيق لاحت مخالبه لأول مرة وهي تتحين فرصة الانقضاض على عنق الوطن اليمني لتدحره للأبد..
فما كان من هذا الرجل إلا الانقياد لما يمليه عليه شرف الواجب كجندي أقسم يمين الولاء للواء الوطن وثورة الشعب الخالدة. فحذا به الأمر إلى الاتصال بعدد من الضباط المقربين منه قبل التوجه إلى مقر القيادة ليوجههم للامساك بالمرافق الرئيسية للقوات المسلحة والجهاز المدني والمراكز الحساسة خشية حدوث حالة إنفلات وفوضى أو اختراق من جهات كانت تتربص بالوطن وتتحين الفرص للاستيلاء على السلطة في صنعاء.
وهكذا تمكنوا من السيطرة على الأوضاع داخل الوحدات العسكرية البرية والجوية، وشكلوا سياجاً أمنياً حول المطار ومبنى الإذاعة والتلفزيون وغيرها من المؤسسات الحيوية الحساسة.
وكما أسلفنا الذكر، فييوم 24 يونيو 1978م وعلى أثر اغتيال الرئيس الغشمي أصدر القاضي عبد الكريم العرشي بوصفه رئيساً لمجلس الشعب التأسيسي بياناً ينعي فيه الرئيس الراحل ويعلن الحداد الرسمي في كافة أنحاء الجمهورية. وفي نفس الوقت عقد في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة اجتماعاً طارئاً للقيادات العسكرية والرموز المدنية القيادية وتم الاتفاق خلال الاجتماع على صيغة انتقالية للحكم من خلال مجلس رئاسي مؤقت.. فتم تشكيل المجلس الرئاسي برئاسة القاضي عبد الكريم العرشي، وعضوية رئيس الوزراء عبد العزيز عبد الغني، ورئيس هيئة الأركان العامة المقدم علي صالح الشيبة، وقائد الجيش في محافظة تعز الرائد علي عبدالله صالح.
كما أصدر مجلس الشعب التأسيسي بياناً أكد فيه بأنه سوف يتم انتخاب رئيساً للجمهورية في أقرب وقت ممكن طبقاً للدستور.
وفي يوم 25 يونيو 1978م تم إجراء تغييرات في الجيش، فقد أصدر رئيس المجلس الرئاسي المؤقت القاضي العرشي قراراً قضى فيه بتعيين المقدم علي صالح الشيبة قائداً عاماً للقوات المسلحة، وبتعيين الرائد علي عبد الله صالح نائباً للقائد العام ورئيساً لهيئة الأركان العامة، وتضمن القرار ايضا ترقية علي عبد الله صالح الى رتبة مقدم . وتم تشكيل لجنة من سبعة أشخاص للتحقيق في حادث اغتيال الرئيس.
وبهذه التشكيلة بات مفهوماً للكثير من القوى الوطنية اليمنية وللمراقبين أيضاً أن المقدم علي عبدالله صالح أخذ يسرق أضواء الساحة السياسية وتنبأ البعض بأنه سيكون له شأناً كبيراً في المرحلة القادمة مستمدين رأيهم هذا من حقيقة كونه الرجل الوحيد بين أعضاء مجلس الرئاسة الذي لم يتم انتخابه لعضوية المجلس وفقاً لمناصبه السياسية السابقة وإنما انتخب لشخصه ذاته لا غير.
__________________
ان امة لاتعرف تاريخها لن تستطيع بناء مستقبلها ولا المحافظة على حاضرها تاريخي وثبة امجاد امست نبراسا للامم
|