منتديات اليمن أغلى  YEMEN FORUMS

منتديات اليمن أغلى YEMEN FORUMS (http://www.the-yemen.com/vb/index.php)
-   •• القــصص و الـــروايــات (http://www.the-yemen.com/vb/forumdisplay.php?f=13)
-   -   بائع الحكمة... (http://www.the-yemen.com/vb/showthread.php?t=116738)

فتاة شقية 09-11-2019 01:39 AM

بائع الحكمة...
 
روي أن أحدَ الولاةِ كان يتجول ذات يوم في السوق القديم متنكراً في زي تاجر ، وأثناء تجواله وقع بصره على دكان قديمٍ
ليس فيه شيء مما يغري بالشراء ،
كانت البقالة شبه خالية ،
وكان فيها رجل طاعن في السن ،
يجلس بارتخاء على مقعد قديم متهالك ،
ولم يلفت نظر الوالي سوى بعض اللوحات التي تراكم عليها الغبار ،
اقترب الوالي من الرجل المسن وحياه ،
ورد الرجل التحية بأحسن منها ،
وكان يغشاه هدوء غريب ،
وثقة بالنفس عجيبة .


وسأل الوالي الرجل :

دخلت السوق لاشتري فماذا عندك مما يباع !؟
أجاب الرجل بهدوء وثقة :
أهلا وسهلا .
.
عندنا أحسن وأثمن بضائع السوق !!
قال ذلك دون أن تبدر منه أية إشارة للمزح أو السخرية .
.

فما كان من الوالي إلا ابتسم ثم قال :

هل أنت جاد فيما تقول !؟
أجاب الرجل :

نعم كل الجد ، فبضائعي لا تقدر بثمن ، أما بضائع السوق فإن لها ثمن محدد لا تتعداه !!
دهش الوالي وهو يسمع ذلك ويرى هذه الثقة .


وصمت برهة وأخذ يقلب بصره في الدكان ، ثم قال :

ولكني لا أرى في دكانك شيئا للبيع !!

قال الرجل :
أنا أبيع الحكمة .

وقد بعت منها الكثير ، وانتفع بها الذين اشتروها .

ولم يبق معي سوى لوحتين .

قال الوالي :
وهل تكسب من هذه التجارة !!
قال الرجل وقد ارتسمت على وجهه طيف ابتسامة :

نعم يا سيدي .

فأنا أربح كثيراً ، فلوحاتي غالية الثمن جداً .

تقدم الوالي إلى إحدى اللوحتين ومسح عنها الغبار ، فإذا مكتوباً فيها :

( فكر قبل أن تعمل ) .

تأمل الوالي العبارة طويلا .

ثم التفت إلى الرجل وقال :

بكم تبيع هذه اللوحة ؟

قال الرجل بهدوء :
عشرة آلاف دينار فقط !!

ضحك الوالي طويلا حتى اغرورقت عيناه ، وبقي الشيخ ساكنا كأنه لم يقل شيئاً ،وظل ينظر إلى اللوحة باعتزاز .

قال الوالي :
عشرة آلاف دينار!!.

هل أنت جاد ؟

قال الشيخ :
ولا نقاش في الثمن !!

لم يجد الوالي في إصرار العجوز إلا ما يدعو للضحك والعجب .


وخمن في نفسه أن هذا العجوز مختل في عقله ، فظل يسايره وأخذ يساومه على الثمن ،
فأوحى إليه أنه سيدفع في هذه اللوحة ألف دينار .

والرجل يرفض ، فزاد ألفا ثم ثالثة ورابعة
حتى وصل إلى التسعة آلاف دينار .

والعجوز ما زال مصرا على كلمته التي قالها ،ضحك الوالي وقرر الانصراف ، وهو يتوقع أن العجوز سيناديه إذا انصرف ،ولكنه لاحظ أن العجوز لم يكترث لانصرافه ، وعاد إلى كرسيه المتهالك فجلس عليه بهدوء .



وفيما كان الوالي يتجول في السوق فكر .

لقد كان ينوي أن يفعل شيئاً تأباه المروءة ، فتذكر تلك الحكمة ( فكر قبل أن تعمل !! )
فتراجع عما كان ينوي القيام به !! ووجد انشراحا لذلك .

وأخذ يفكر وأدرك أنه انتفع بتلك الحكمة ، ثم فكر فعلم أن هناك أشياء كثيرة ،
قد تفسد عليه حياته لو أنه قام بها دون أن يفكر .


ومن هنا وجد نفسه يهرول باحثاً عن دكان العجوز في لهفة ،
ولما وقف عليه قال :
لقد قررت أن أشتري هذه اللوحة بالثمن الذي تحدده .

لم يبتسم العجوز ونهض من على كرسيه بكل هدوء ، وأمسك بخرقة ونفض بقية الغبار عن اللوحة ،
ثم ناولها الوالي ، واستلم المبلغ كاملاً ، وقبل أن ينصرف الوالي قال له الشيخ :

بعتك هذه اللوحة بشرط .

قال الوالي :
وما هو الشرط ؟
قال :
أن تكتب هذه الحكمة على باب بيتك ، وعلى أكثر الأماكن في البيت ،وحتى على أدواتك التي تحتاجها عند الضرورة .

فكر الوالي قليلا ثم قال :
موافق !

وذهب الوالي إلى قصره ، وأمر بكتابة هذه الحكمة في أماكن كثيرة في القصر ،حتى على بعض ملابسه وملابس نسائه وكثير من أداواته !!!
وتوالت الأيام وتبعتها شهور ، وحدث ذات يوم أن قرر قائد الجند أن يقتل الوالي لينفرد بالولاية ،واتفق مع حلاق الوالي الخاص ، أغراه بألوان من الإغراء حتى وافق أن يكون في صفه ،وفي دقائق سيتم ذبح الوالي !!!!!
ولما توجه الحلاق إلى قصر الوالي أدركه الارتباك ، إذ كيف سيقتل الوالي ،إنها مهمة صعبة وخطيرة ، وقد يفشل ويطير رأسه .

ولما وصل إلى باب القصر رأى مكتوبا على البوابة :
( فكر قبل أن تعمل !! )
وازداد ارتباكاً ، وانتفض جسده ، وداخله الخوف ، ولكنه جمع نفسه ودخل ،
وفي الممر الطويل ، رأى العبارة ذاتها تتكرر عدة مرات هنا وهناك :

( فكر قبل أن تعمل ! ) ( فكر قبل أن تعمل !! ) ( فكر قبل أن تعمل !! ) .

وحتى حين قرر أن يطأطئ رأسه ، فلا ينظر إلا إلى الأرض ، رأى على البساط نفس العبارة تخرق عينيه .

وزاد اضطرابا وقلقا وخوفا ، فأسرع يمد خطواته ليدخل إلى الحجرة الكبيرة ، وهناك رأى نفس العبارة تقابله وجهاً لوجه !!( فكر قبل أن تعمل !!) !!
فانتفض جسد ه من جديد ، وشعر أن العبارة ترن في أذنيه بقوة لها صدى شديد !

وعندما دخل الوالي هاله أن يرى أن الثوب الذي يلبسه الوالي مكتوبا عليه :

( فكر قبل أن تعمل !! ) .


شعر أنه هو المقصود بهذه العبارة ، بل داخله شعور بأن الوالي ربما يعرف ما خطط له !!
وحين أتى الخادم بصندوق الحلاقة الخاص بالوالي ، أفزعه أن يقرأ على الصندوق نفس العبارة :

( فكر قبل أن تعمل ).

واضطربت يده وهو يعالج فتح الصندوق ، وأخذ جبينه يتصبب عرقا ،وبطرف عينه نظر إلى الوالي الجالس فرآه مبتسما هادئاً ، مما زاد في اضطرابه وقلقه .


فلما هم بوضع رغوة الصابون لاحظ الوالي ارتعاشة يده ،فأخذ يراقبه بحذر شديد ، وتوجس ، وأراد الحلاق أن يتفادى نظرات الوالي إليه ،فصرف نظره إلى الحائط ، فرأى اللوحة منتصبة أمامه ( فكر قبل أن تعمل ! ) .

فوجد نفسه يسقط منهارا بين يدي الوالي وهو يبكي منتحبا ، وشرح للوالي تفاصيل المؤامرة !!
وذكر له أثر هذه الحكمة التي كان يراها في كل مكان ، مما جعله يعترف بما كان سيقوم به !!
ونهض الوالي وأمر بالقبض على قائد الحرس وأعوانه ، وعفا عن الحلاق .


وقف الوالي أمام تلك اللوحة يمسح عنها ما سقط عليها من غبار ،وينظر إليها بزهو ، وفرح وانشراح ، فاشتاق لمكافأة ذلك العجوز ، وشراء حكمة أخرى منه !!
لكنه حين ذهب إلى السوق وجد الدكان مغلقاً ، وأخبره الناس أن العجوز قد مات.

قوت 09-11-2019 09:46 AM

رد: بائع الحكمة...
 
جميله ومحزنه في نفس الوقت
فعلاً الحكمه لا تقدر بثمن ولكن من يشتري
يعطيك العافيه على الطرح القيم

عادل قحطان 09-11-2019 07:54 PM

رد: بائع الحكمة...
 
قصة رائعة وجميلة ،شكراً على الطرح الراقي .
تــحــيــاتــي

فتاة شقية 11-11-2019 01:20 AM

رد: بائع الحكمة...
 
مروركم يسعدني أعزائي


الساعة الآن 11:07 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات اليمن أغلى