منتديات اليمن أغلى  YEMEN FORUMS

منتديات اليمن أغلى YEMEN FORUMS (http://www.the-yemen.com/vb/index.php)
-   •• الثـقــــافة الأســــلاميـة (http://www.the-yemen.com/vb/forumdisplay.php?f=3)
-   -   الحرية في الإسلام (http://www.the-yemen.com/vb/showthread.php?t=12262)

ولــيـ اليمن ــد 30-07-2009 06:05 AM

الحرية في الإسلام
 
جعل الإسلام "الحرية" حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن "الحرية" أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها قال تعالى:((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )) فنفي الإكراه في الدين، الذي هو أعز شيء يملكه الإنسان، للدلالة على نفيه فيما سواه وأن الإنسان مستقل فيما يملكه ويقدر عليه لا يفرض عليه أحد سيطرته، بل يأتي هذه الأمور، راضياً غير مجبر، مختاراً غير مكره.

1/ مفهوم الحرية: يقصد بالحرية قدرة الإنسان على فعل الشيء أوتركه بإرادته الذاتية وهي ملكة خاصة يتمتع بها كل إنسان عاقل ويصدر بها أفعاله ،بعيداً عن سيطرة الآخرين لأنه ليس مملوكاً لأحد لا في نفسه ولا في بلده ولا في قومه ولا في أمته.

هل "الحرية" تعني الإطلاق من كل قيد ؟
لا يعني بطبيعة الحال إقرار الإسلام للحرية أنه أطلقها من كل قيد وضابط، لأن الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى، التي يثيرها الهوى والشهوة ، ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه ، ولذلك منع من اتباعه، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضرورية، تضمن حرية الجميع ، وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي :
أ- ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه.
ب- ألا تفوت حقوقاً أعظم منها،وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها.
ج - ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين.
وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقر الحرية لفرد على حساب الجماعة ،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد ،ولكنه وازن بينهما ،فأعطى كلاً منهما حقه.


أنواع الحرية:
- الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية
- الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية


الصنف الأول : الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية ، وهذا الصنف يشمل الآتي:
أ - الحرية الشخصية: والمقصود بها أن يكون الإنسان قادراً على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه، في نفسه وعرضه وماله، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره. والحرية الشخصية تتضمن شيئين :
1) حرمة الذات: وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان ، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره ، قال تعالى:((ولقد كرمنا بني آدم)) ، وقال تعالى:((وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)) وميزه بالعقل والتفكير تكريماً له وتعظيماً لشأنه، وتفضيلاً له على سائر مخلوقاته، وفي الحديث عن عائشة – رضي الله عنها – مرفوعاً : " أول ما خلق الله العقل قال له اقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال له عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب"، وفي هذه النصوص ما يدعو إلى احترام الإنسان، وتكريم ذاته، والحرص على تقدير مشاعره، وبذلك يضع الإسلام الإنسان في أعلى منزلة، وأسمى مكان حتى أنه يعتبر الاعتداء عليه اعتداء على المجتمع كله، والرعاية له رعاية للمجتمع كله ، قال تعالى :((من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)). وتقرير الكرامة الإنسانية للفرد، يتحقق أياً كان الشخص، رجلاً أو امراة، حاكماً أو محكوماً، فهو حق ثابت لكل إنسان، من غير نظر إلى لون أو جنس أو دين. حتى اللقيط في الطرقات و نحوها، يجب التقاطه احتراما لذاته و شخصيته، فإذا رآه أحد ملقى في الطريق، وجب عليه أخذه، فإن تركوه دون التقاطه أثموا جميعاً أمام الله تعالى، و كان عليهم تبعة هلاكه. هذا و كما حرص الإسلام على احترام الإنسان حياً، فقد أمر بالمحافظة على كرامته ميتاً، فمنع التمثيل بجثته، و ألزم تجهيزه و مواراته ،و نهى عن الاختلاء و الجلوس على القبور.

2) تأمين الذات: بضمان سلامة الفرد و أمنة في نفسه و عرضه و ماله:
فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء، سواء كان على البدن كالضرب و السجن و نحوه، أو على النفس و الضمير كالسب أو الشتم و الازدراء و الانتقاص وسوء الظن و نحوه، و لهذا قرر الإسلام زواجر و عقوبات، تكفل حماية الإنسان و وقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه، ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية. وكلما كان الاعتداء قوياً كان الزجر أشد، ففي الاعتداء على النفس بالقتل و جب القصاص، كما قال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى))، أو كان الاعتداء على الجوارح بالقطع و جب القصاص أيضاً كما قال تعالى :((و كتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن و السن بالسن و الجروح قصاص)) و منع عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – الولاة من أن يضربوا أحداً إلا أن يكون بحكم قاض عادل، كما أمر بضرب الولاة الذين يخالفون ذلك بمقدار ما ضربوا رعاياهم بل إنه في سبيل ذلك منع الولاة من أن يسبوا أحداً من الرعية، ووضع عقوبة على من يخالف ذلك.

ب-حرية التنقل (الغدو و الرواح ): والمقصود بها أن يكون الإنسان حراً في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه. والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي ،تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه ،ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها ،بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها وقد جاء تقرير ((حرية التنقل )) بالكتاب والسنة والإجماع ففي الكتاب قوله تعالى : ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه و أليه النشور)) و لا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة ،كما فعل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في طاعون عمواس، حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام الذي كان به هذا الوباء، و لم يفعل ذلك الا تطبيقاً لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه و إذا وقع بأرض و انتم بها فلا تخرجوا فرار منه)، و لأجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتربص لهم في الطرقات، و أنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطرق ويروعون الناس بالقتل و النهب و السرقة، قال تعالى : ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم)) و لتأكيد حسن استعمال الطرق و تأمينها نهى النبي صلى الله عليه و سلم صحابته عن الجلوس فيها، فقال: (إياكم و الجلوس في الطرقات ،قالوا: يا رسول الله ،ما لنا بد في مجالسنا، قال: فإن كان ذلك، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: و ما حق الطريق يا رسول الله ؟قال: غض البصر و كف الأذى، و رد السلام، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر )، فالطرق يجب أن تفسح لما هيئ لها من السفر و التنقل و المرور، و أي استعمال لغير هدفها محظور لا سيما إذا أدي إلى الاعتداء على الآمنين، و لأهمية التنقل في حياة المسلم وأنه مظنة للطوارئ، فقد جعل الله تعالى ابن السبيل- وهو المسافر- أحد مصارف الزكاة إذا ألم به ما يدعوه إلى الأخذ من مال الزكاة ، ولو كان غنياً في موطنه .

ج-حرية المأوى و المسكن: فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه ،فله حرية ذلك، كما أن العاجز عن ذلك ينبغي على الدولة أن تدبر له السكن المناسب، حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته.
روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)، وقد استدل الإمام ابن حزم بهذا الحديث وغيره على أن أغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيئ عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة، والدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار فيضمن ذلك لكل فرد من أفراد الدولة بغض النظر عن دينه.
فإذا ما ملك الإنسان مأوى و مسكن ،فلا يجوز لأحد ،أن يقتحم مأواه ،أو يدخل منزله إلا بإذنه، حتى لو كان الداخل خليفة، أو حاكماً أعلى –رئيس دولة- ما لم تدع إليه ضرورة قصوى أو مصلحة بالغة، لأن الله تعالى يقول :((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها ذلكم خيركم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم و إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم و الله بما تعملون عليم )) و إذا نهى عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها، فالاستيلاء عليها أو هدمها أو إحراقها من باب أولى، إلا إذا كان ذلك لمصلحة الجماعة، بعد ضمان البيت ضماناً عادلاً، و هذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد، أو بناء شارع، أو إقامة مستشفى، أو نحو ذلك، و قد أجلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه –أهل نجران، و عوضهم بالكوفة. ولحفظ حرمة المنازل وعظمتها حرم الإسلام التجسس، فقال تعالى :(( و لا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا )) وذلك لأن في التجسس انتهاكا لحقوق الغير والتي منها :حفظ حرمة المسكن، وحرية صاحبه الشخصية بعدم الاطلاع على أسراره. بل و بالغ الإسلام في تقرير حرية المسكن بأن أسقط القصاص والدية عمن انتهك له حرمة بيته، بالنظر فيه و نحوه، يدل على ذلك حديث أبى هريرة –رضي الله عنه-أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه) وهدرت:أي لاضمان على صاحب البيت. فعين الإنسان –رغم حرمتها وصيانتها من الاعتداء عليها وتغليظ الدية فيها –لكنها هنا أهدرت ديتها بسب سوء استعمالها واعتدائها على حقوق الغير .

د-حرية التملك: و يقصد بالتملك حيازة الإنسان للشيء و امتلاكه له، و قدرته على التصرف فيه، و انتفاعه به عند انتقاء الموانع الشرعية، و له أنواع و وسائل نوجزها في الآتي:
1) أنواع الملكية: للملكية أو التملك نوعان بارزان،هما:تملك فردي ،و تملك جماعي.
فالتملك الفردي: هو أن يحرز الشخص شيئاً ما ،و ينتفع به على وجه الاختصاص و التعين.
وقد أعطى الإسلام للفرد حق التملك، و جعله قاعدة أساسية للاقتصاد الإسلامي، و رتب على هذا الحق نتائجه الطبيعية في حفظه لصاحبه، و صيانته له عن النهب و السرقة ،و الاختلاس و نحوه ،ووضع عقوبات رادعة لمن اعتدى عليه ،ضمانا له لهذا الحق ،و دفعا لما يتهدد الفرد في حقه المشروع .كما أن الإسلام رتب على هذا الحق أيضا نتائجه الأخرى، وهي حرية التصرف فيه بالبيع أو الشراء و الإجارة و الرهن و الهبة و الوصية و غيرها من أنواع التصرف المباح.
غير أن الإسلام لم يترك (التملك الفردي) مطلقاً من غير قيد، ولكنه وضع له قيوداً كي لا يصطدم بحقوق الآخرين، كمنع الربا و الغش و الرشوة و الاحتكار و نحو ذلك، مما يصطدم ويضيع مصلحة الجماعة .و هذه الحرية لا فرق فيها بين الرجل و المرأة قال الله تعالى : ((للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن )).
أما النوع الثاني:فهو التملك الجماعي :و هو الذي يستحوذ عليه المجتمع البشري الكبير، أو بعض جماعاته، و يكون الانتفاع بآثاره لكل أفراده، و لا يكون انتفاع الفرد به إلا لكونه عضواً في الجماعة، دون أن يكون له اختصاص معين بجزء منه، مثاله :المساجد والمستشفيات العامة والطرق والأنهار والبحار وبيت المال ونحو ذلك. و ما ملك ملكاً عاماً يصرف في المصالح العامة ،و ليس لحاكم أو نائبه أو أي أحد سواهما أن يستقل به أو يؤثر به أحد ليس له فيه استحقاق بسب مشروع وإنما هو مسؤول عن حسن إدارته و توجيهه التوجيه الصحيح الذي يحقق مصالح الجماعة ويسد حاجاتها.
2) وسائل الملكية: و هي طرق اكتسابها التي حددها الإسلام و عينها و حرم ما سواها ويمكن تقسيمها أيضا إلى قسمين :وسائل الملكية الفردية و الجماعية.
- وسائل الملكية الفردية ،و لها مظهران:
المظهر الأول :الأموال المملوكة ،أي المسبوقة بملك ،و هذه الأموال لا تخرج من ملك صاحبها إلى غيره إلا بسب شرعي كالوراثة ،أو الوصية ،أو الشفعة ، أو العقد ،أو الهبة ،أو نحوها.
المظهر الثاني :الأموال المباحة ،أي غير المسبوقة بملك شخص معين ،و هذه الأموال لا يتحقق للفرد تملكها إلا بفعل يؤدي إلى التملك و وضع اليد ،كإحياء موات الأرض و الصيد ،واستخراج ما في الأرض من معادن ،و إقطاع ولي الأمر جزءاً من المال لشخص معين،والعمل ،و نحوه .
على أن ثمة قيوداً على الملكية الفردية ،تجمل فيما يلي:
1/ مداومة الشخص على استثمار المال ،لأن في تعطيله إضراراً بصاحبه ،و بنماء ثروة المجتمع.
2/ أداء زكاته إذا بلغ نصاباً،لأن الزكاة حق المال،و كذلك إنفاقه في سبيل الله.
3/ اجتناب الطرق المحرمة للحصول عليه ،كالربا ،و الغش و الاحتكار و نحوه.
4/ عدم الإسراف في بذله أو التقتير.

- وسائل الملكية الجماعية ،و لها مظاهر كثيرة ،نوجزها في الآتي:
المظهر الأول :الموارد الطبيعية العامة ،و هي التي يتناولها جميع الناس في الدولة دون جهد أو عمل . كالماء ،و الكلأ ،و النار ،و ملحقاتها.
المظهر الثاني :الموارد المحمية ،أي التي تحميها الدولة لمنفعة المسلمين أو الناس كافة ،مثل :المقابر ،والمعسكرات ،و الدوائر الحكومية ،والأوقاف ،والزكوات و نحوها.
المظهر الثالث :الموارد التي لم تقع عليها يد أحد ،أو وقعت عليها ثم أهملتها مدة طويلة كأرض الموات.
المظهر الرابع :الموارد التي تجنيها الدولة بسبب الجهاد كالغنائم والفيء ونحوها

هـ- حرية العمل: العمل عنصر فعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام، و له شرف عظيم باعتباره قوام الحياة ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. و لأهمية العمل في الإسلام اعتبر نوعاً من الجهاد في سبيل الله ،كما روى ذلك كعب بن عجرة –رضي الله عنه –قال : (مر على النبي صلى الله عليه و سلم رجل ،فرأى أصحاب الرسول الله صلى الله عليه و سلم من جلده و نشاطه، فقالوا :يا رسول الله ،لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل الله،و إن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله ،و إن كان خرج يسعى على نفسه يعضها فهو في سبيل الله، و إن كان خرج يسعى رياء و مفاخرة فهو في سبيل الشيطان). وهكذا نجد كثيراً من نصوص الكتاب و السنة ،تتحدث عن العمل و تحث عليه وتنوه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد و نجارة السفن ،و فلاحة الأرض ،و نحو ذلك ،لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، و البقاء –من حيث هو – هدف مرحلي للغاية الكبرى، و هي عبادة الله، و ابتغاء رضوانه ، وبقدر عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة، فأعظم الغايات هو رضوان الله تعالى، و بالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل و التضحية، و إنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته و أهميته للوجود الإنساني، وأنه أكبر نعمة الله على الإنسان.


الصنف الثاني :الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية ،و هذا الصنف يشمل الآتي:
أ-حرية الاعتقاد: ويقصد بها اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، و عقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك .فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، و يجعل المكره مسلوب الإرادة ،فينتفي بذلك رضاه و اقتناعه و إذا تأملنا قول الله تعالى : ((لا إكراه في الدين )) نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، و أقر أن الفكر و الاعتقاد لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أي إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكره باطل و مرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، و لا يثبتها في الضمير. لذلك قال تعالى : ((و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )) و قال أيضاً ((فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )) كل هذه الآيات و غيرها ،تنفي الإكراه في الدين،و تثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به. هذا و يترتب على حرية الاعتقاد ما يلي:
1) إجراء الحوار و النقاش الديني ،وذلك بتبادل الرأي و الاستفسار في المسائل الملتبسة ،التي لم تتضح للإنسان ،و كانت داخلة تحت عقله و فهمه –أي ليست من مسائل الغيب – وذلك للاطمئنان القلبي بوصول المرء إلى الحقيقة التي قد تخفى عليه، وقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة و السلام يحاورون أقوامهم ليسلموا عن قناعة و رضى و طواعية ، بل إن إبراهيم –أبا الأنبياء عليه السلام –حاور ربه في قضية ((الإحياء و الإماتة )) ليزداد قلبه قناعة و يقيناً و ذلك فيما حكاه القرآن لنا في قوله تعالى : ((وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً فلما تبين له قال أعلم أن الله عزيز حكيم )) بل إن في حديث جبريل عليه السلام ،الذي استفسر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ((الإسلام ))و ((الإيمان ))و ((الإحسان )) و ((علامات الساعة )) دليل واضح على تقرير الإسلام لحرية المناقشة الدينية ،سواء كانت بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم و بين أصحاب الأديان الأخرى، بهدف الوصول إلى الحقائق و تصديقها، لا بقصد إثارة الشبه و الشكوك و الخلافات، فمثل تلك المناقشة ممنوعة، لأنها لا تكشف الحقائق التي يصل بها المرء إلى شاطئ اليقين.

2) ممارسة الشعائر الدينية ،و ذلك بأن يقوم المرء بإقامة شعائره الدينية ،دون انتقاد أو استهزاء ، أو تخويف أو تهديد،و لعل موقف الإسلام الذي حواه التاريخ تجاه أهل الذمة –أصحاب الديانات الأخرى –من دواعي فخره و اعتزازه ،و سماحته ،فمنذ نزل الرسول صلى الله عليه و سلم يثرب –المدينة المنورة –أعطى اليهود عهد أمان ، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم و عقيدتهم، و إقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم .ثم سار على هذا النهج الخلفاء الراشدون ،فكتب عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – لأهل إيلياء –القدس- معاهدة جاء فيها : (( هذا ما أعطاه عمر أمير المؤمنين ، أهل ايلياء من الأمان ،أعطاهم أمانا على أنفسهم ،و لكنائسهم و صلبانهم ،،، لا تسكن كنائسهم ولا تهدم و لا ينتقص منها و لا من غيرها و لا من صلبهم، و لا يكرهون على دينهم ،و لا يضار أحد منهم )) و ها هم علماء أوروبا اليوم ،يشهدون لسماحة الإسلام ،و يقرون له بذلك في كتبهم .قال ((ميشود )) في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية ) : (( إن الإسلام الذي أمر بالجهاد ،متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى و هو قد أعفى البطاركة و الرهبان و خدمهم من الضرائب،و قد حرم قتل الرهبان –على الخصوص – لعكوفهم على العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس، وقد ذبح الصليبيون المسلمين و حرقوا اليهود عندما دخلوها )) أي مدينة القدس

ب- حرية الرأي: و تسمى أيضا بحرية التفكير و التعبير، وقد جوز الإسلام للإنسان أن يقلب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، و الظواهر المختلفة، و يحاول تجربتها بعقله، و استخدامها لمصلحته مع بني جنسه، لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته و مدى قابليته للتفاعل و التأثير ،ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر و طول التفكير.
هذا و لإبداء الرأي عدة مجالات و غايات منها:
1) إظهار الحق و إخماد الباطل ،قال تعالى : ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون)) فالمعروف هو سبيل الحق ،و لذلك طلب من المؤمن أن يظهره ،كما أن المنكر هو سبيل الباطل ،و لذلك طلب من المؤمن أن يخمده.
2) منع الظلم و نشر العدل ،و هذا ما فعله الأنبياء و الرسل إزاء الملوك و الحكام و يفعله العلماء و المفكرون مع القضاة و السلاطين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ).
3) و قد يكون إبداء الرأي ،بتقديم الأمور حسب أهميتها و أولويتها، و هذا أكثر ما يقوم به أهل الشورى في أكثر من بلد ،و أكثر من مجتمع و قد يكون بأي أسلوب آخر،إذ من الصعب حصرها ،و لكنها لا تعني أن يخوض الإنسان فيما يضره، ويعود عليه بالفساد، بل لا بد أن تكون في إطار الخير والمصلحة إذ الإسلام بتقريره حرية الرأي ، إنما أراد من الإنسان أن يفكر كيف يصعد، لا كيف ينزل، كيف يبني نفسه و أمته،لا كيف يهدمها سعياً وراء شهوتها وهواها.
وباستعراض التاريخ الإسلامي ،نجد أن ((حرية الرأي )) طبقت تطبيقاً رائعاً ،منذ عصر النبوة ،فهذا الصحابي الجليل ،حباب بن المنذر ، أبدى رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر ،على غير ما كان قد رآه النبي صلى الله عليه و سلم ،فأخذ النبي صلى الله علبه و سلم برأيه ، و أبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك ،و أشاروا على النبي صلى الله عليه و سلم بتطليق زوجته عائشة –رضي الله عنها – إلا أن القرآن برأها ،و غير ذلك من المواقف الكثيرة التي كانوا يبدون فيها آراءهم

ج-حرية التعلم: طلب العلم و المعرفة حق كفله الإسلام للفرد،و منحه حرية السعي في تحصيله،و لم يقيد شيئاً منه، مما تعلقت به مصلحة المسلمين ديناً و دنيا، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله، و سلوك السبيل الموصل إليه، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة، و إنما تتحقق به مضرة و مفسدة، فهذا منهي عنه، و محرم على المسلم طلبه، مثل علم السحر و الكهانة ،و نحو ذلك.
و لأهمية العلم و المعرفة في الحياة ،نزلت آيات القرآن الأولى تأمر النبي صلى الله عليه و سلم بالقراءة قال تعالى: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق ،خلق الإنسان من علق ،اقرأ و ربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ،علم الإنسان ما لم يعلم)) و القراءة هي مفتاح العلم ،و لذلك لما هاجر النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة،و نصب عليه الكفار الحرب،و انتصر المسلمون و أسروا من أسروا من المشركين، جعل فداء كل أسير من أسراهم ،تعليم القراءة و الكتابة لعشرة من صبيان المدينة و هذا من فضائل الإسلام الكبرى، حيث فتح للناس أبواب المعرفة، و حثهم على و لوجها و التقدم فيها، و كره لهم القعود عن العلم و التخلف عن قافلة الحضارة و الرفاهية و الازدهار. و من أجل ذلك كان على الدولة الإسلامية ،أن تيسر سبل التعليم للناس كافة، و تضمن لكل فرد حقه في ذلك لأن هذا الحق مضمون لكل فرد من رعاياها كسائر الحقوق الأخرى.

د- الحرية السياسية: و يقصد بها حق الإنسان في اختيار سلطة الحكم، و انتخابها ،ومراقبة أدائها، و محاسبتها ،و نقدها، و عزلها إذا انحرفت عن منهج الله و شرعه، و حولت ظهرها عن جادة الحق و الصلاح .
كما أنه يحق له المشاركة في القيام بأعباء السلطة ،و وظائفها الكثيرة ،لأن السلطة حق مشترك بين رعايا الدولة،و ليس حكرا على أحد ،أو وقفا على فئة دون أخرى و اختيار الإنسان للسلطة، قد يتم بنفسه، أو من ينوب عنه من أهل الحل و العقد و هم أهل الشورى، الذين ينوبون عن الأمة كلها في كثير من الأمور منها : القيام بالاجتهاد فيما لا نص فيه ، إذ الحاكم يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة و الاختصاص من ذوى العلم و الرأي، كما أنهم يوجهون الحاكم في التصرفات ذات الصفة العامة أو الدولية كإعلان الحرب، أو الهدنة ، أو إبرام معاهدة، أو تجميد علاقات، أو وضع ميزانية أو تخصيص نفقات لجهة معينة أو غير ذلك من التصرفات العامة، التي لا يقطع فيها برأي الواحد. قال تعالى : (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )) و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله و لرسوله و لأمة المسلمين و عامتهم ).


المصدر: الإسلام اليوم

ملاك الروووح 30-07-2009 08:28 AM

رد: الحرية في الإسلام
 
http://img214.imageshack.us/img214/9526/28566382mx5.gif

http://img214.imageshack.us/img214/397/94829814ga2.gif

http://img214.imageshack.us/img214/5353/15926069jh9.gif

http://img214.imageshack.us/img214/6636/43468843fg3.gif

ولــيـ اليمن ــد 31-07-2009 03:59 AM

رد: الحرية في الإسلام
 
ويداكي وسلمت لنا دوما

آلريــم 31-07-2009 08:48 AM

رد: الحرية في الإسلام
 
يعطيك العافيه آخوي ..

ويجزيك بالخير ان شاء الله ..

توضيح رااائع ونقل ارووع ..

ماا ننحرم منك ياارب ..

شااكرة لك ..

ولــيـ اليمن ــد 02-08-2009 12:17 AM

رد: الحرية في الإسلام
 
منا اجمل تحيه للريم ذي جت هنيه
اهلين وشكرا ع المروووور

الجنرال حافظ 25-08-2009 05:05 PM

رد: الحرية في الإسلام
 
بارك الله فيك

جعله الله في ميزان حسناتك

يعطيك العافية

ولــيـ اليمن ــد 31-08-2009 07:11 AM

رد: الحرية في الإسلام
 
وفيك اخي الجنرال بارك الرحمن
اهلا بك نجم يشع في مشاركاتي

شمس اليمن 14-04-2013 11:27 PM

رد: الحرية في الإسلام
 
ربي لا يحرمك الاجر والثواب
على كل موضوع قيم ومفيد تقدمه هنا ويجعله بموازين حسناتكم
وجزاكم الله خير وبارك الله فيكم
واسدل عليكم الاجر مدادآ
مشرفة القسم الاسلامي
شمس

المعلم1 15-04-2013 12:30 AM

رد: الحرية في الإسلام
 
موضوع شيق وقيم
وتشكر عليه
وجزاك الله خير الجزاء

ريان 15-04-2013 02:24 AM

رد: الحرية في الإسلام
 
جزاااك الله خير

الجندي السجين 24-05-2013 03:48 PM

رد: الحرية في الإسلام
 
جزاك الله خيـــــــــــــر

عادل قحطان 30-05-2013 10:11 PM

الحرية في الإسلام
 
الحرية في الإسلام..
1-إن حرمة الإنسان وكرامته
من أعظم حقوق الإنسان في الإسلام حرية الرأي والفكر وأن حفظ كرامته وحرية رأيه- وحرمة دمه وماله وعرضه- قد وصلت في الإسلام إلى حدِّ التقديس.

وحرمة المؤمن تتمثل في حرمة عرضه وماله ودمه، واحترام فكره ورأيه.. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" (رواه مسلم) ويقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركًا أو الرجل يقتل مؤمنًا" (أبو داود وابن حبان والحاكم).

لكل نفس في الإسلام حرمةٌ، وكرامةُ الإنسان بحكم إنسانيته أمر ظاهر في شريعة الإسلام، وحرمة النفس أعظم من حرمة الكعبة، فعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: "رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك!! ما أعظمك وأعظم حرمتك!! والذي نفسُ محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك.. ماله ودمه.. وأن نظن به خيرًا" (رواه ابن ماجة).

ولقد أكد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- في حجة الوداع هذا الأمر، فقال:".. فإن دماءَكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.. إلى أن تلقَوا ربكم" (رواه البخاري وأحمد)، وفي الحديث.. "كل المسلم على المسلم حرام.. دمه وماله وعرضه".

ولذلك فإن الإسلام حافظ على كيان الإنسان، وحذَّر من العدوان عليه، وكفل لكل فرد- كما كفل للأمة كلها- كلَّ عناصر العدالة والكفاية والأمان، وكفَّ عن الجميع عواملَ الاستفزاز والإثارة وكل عوامل الكبت والقمع وكل عوامل الظلم والاعتداء، ومن هنا يصبح العدوان في مثل هذا المجتمع الفاضل على نفس واحدة جريمةً بشعةً وعملاً منكرًا، بل عدوانًا على البشرية كلها، فكأن المعتدي قتلَ الناس جميعًا، كما أن العمل على الاستقرار ودفع أذى القاتل ورده واستحياء نفس واحدة يعتبر عملاً عظيمًا يعدل إنقاذ الناس جميعًا.. قال الله تعالى: ?مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا? (المائدة: 32)، وفي الأثر: "الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدمه".


إن الإنسان أرقى نماذج الحياة، مصوغٌ كيانه من مادة الكون الأولى.. ?وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ? (المؤمنون: 12) وإن أفراد هذا الإنسان بعد موجودون في أصلهم الواحد متساوون في نسبتهم إليه "أنتم بنو آدم وآدم من تراب" (رواه مسلم).

ولقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وكرَّمه وأرسل له رسله، وقال ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً? (الإسراء: 70).. هذه هي بعض مكانة الإنسان في الإسلام وتلك هي منزلته.

2- ومن حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز أن تُسلب منه بحال من الأحوال حرية إبداء الرأي..
فمن حق الإنسان أن يفكر وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن رأيَه فيما يراه من عوج وفساد، وأن ينكر على غيره ما وقع منه من تجاوزات وظلم، وجاء في الحديث "لايمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق" (رواه ابن ماجة)، وفي الحديث أيضًا "قل الحق وإن كان مرًّا، ولا تخف في الله لومة لائم" (رواه الطبراني)، وسيدنا عمر هو القائل: "لاخيرَ فيكم إن لم تقولوها ولا خيرَ فينا إن لم نسمعها".

وتنقسم الحرية في الإسلام إلى حريات تتعلق بمصالح الأفراد المادية أو الميدان السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وهي الحرية الشخصية، وحق التملك، وحرمة المسكن، وحرية العمل والتجارة والسفر والصناعة، وحرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرية تأليف الجماعات، وحرية التعليم، وحرية إصدار الصحف، وحرية الاجتماعات، وتعتبر حرية الرأي بمثابة الأم لسائر الحريات، وما الحريات الأخرى إلا مظهرٌ من مظاهر حرية الرأي؛ إذ إن جميع هذه الحريات ترتد إليها، ومنهج الإسلام في حدود حرية الرأي وضوابطه تكمن في كلمة واحدة هي التزام (الحق)، يقول سبحانه وتعالى: ?وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ? (سورة العصر).. أي تواصوا بالخير والمصلحة العامة، كما بينها الشرع (حق الله).

إن معنى كلمة (الحق) في الآية يستوعب كل عناصر حسن النية، سواءٌ ما يتعلق منها بصدق الوقائع الباعثة على الرأي، أو صدق الرأي مع عقيدة الناقد والموجِّه.. جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط يقول- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا، وثلاث ملهكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".

وروى أبو عبيدة قال: بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن نقول الحق أينما كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائم (رواء مسلم).. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أول ليصمت" (رواه البخاري ومسلم)، وهذا الحديث جامع لحدود حرية الرأي السياسي وضوابطه.. ذلك أن كلمة (خيرًا) تعني الالتزام بالحق، وأنها تحمل المعنى الإيجابي وهو المصلحة العامة المستهدفة من النقد والنصح، فضلاً عن توافر كل عناصر حسن النية والصدق، وهو ضابط لحرية القول أو النقد السياسي.

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى لم يبعث نبيًّا ولا خليفةً إلا وله بطانتان، بطانةٌ تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانةٌ لا تألوه خبالاً، ومن يوقَ بطانة السوء فقد وُقي" (رواه البخاري ومسلم).

وواضح أن المصلحة العامة تدخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا الحديث بطانةٌ تخلص في النصح، وتؤثر المصلحة العامة وترشد إليها، ومن هؤلاء النقَّاد السياسيون الذين يلتزمون حدود النقد بحق، وعلى الأخص استهداف المصلحة العامة.

3- صيانة حرمات الإنسان
يقيم الإسلام سياجًا في المجتمعات، يحفظ به حرماتهم وكراماتهم وحرياتهم، ويقدم الإسلام مبادئ في الرعاية والعناية بحقوق الناس، فلا يؤخذون بالظن، ولا يحاكَمون بالريب، ولا يصبح الظن أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم، والرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يقول: "إن ظننت فلا تخفق" (أخرجه الطبراني)، ومعنى هذا بصراحة أن يظل الناس أبرياءَ، مصونةٌ حقوقهم وحرياتهم واعتبارهم؛ حتى يظهر بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤخذون عليه، ولا يكفي أبدًا مجرد الظن بهم لتعقبهم.

فأي مدًى من صيانة كرامة الناس وحقوقهم واعتبارهم؟ وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطيةً وحريةً وصيانةً لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، حين قال لهم: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ? (الحجرات: 12).

4- تحريم التجسس
ويحرم الإسلام التجسس، والقرآن يقاومه ويكرهه ويمقته أشد المقت؛ لأنه عمل دنيء من الناحية الأخلاقية، ويريد الإسلام بذلك تطهير القلوب من أمثال هذه الاتجاهات الخسيسة لتتبع عورات الآخرين، وكشف سوءاتهم، وتمشيًا مع أهدافه العليا في نظافة الأخلاق والقلوب، وصيانة الأمة من العبث والإجرام، والأمر أكبر من هذا أثرًا، فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسة في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية.. إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكرامتهم التي لا يجوز أن تنتهك في أي صورة من الصور، ولا أن تُمَسَّ بحال من الأحوال.

ففي المجتمع الإسلامي الرفيع يعيش الناس آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم، ولا يوجد مبرر- مهما يكن- لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات، وحتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعةً ومبررًا للتجسس على الناس، فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقَّب بواطنهم، وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما ظهر منهم من مخالفات أو جرائم.. جاء في الأثر: "يا معشر من آمن لسانه، ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في قاع بيته".

إن التحرر من الخوف، والتحرر قبله مما عدا الله هو الذي يفتح الطريق أمام الشعوب لحياة كريمة، ويجب أن تحترم حقوق الإنسان أيًّا كان هذا الإنسان، ويجب الإيمان بالمساواة أمام القانون، فسحق كرامة الإنسان هي السبب المباشر فيما تعانيه الأمة العربية والإسلامية اليوم؛ لأن المظلوم والمستعبَد لا يحرر أوطانًا، ولا يدفع عدوانًا، ولا يستطيع أن يعمِّر أو يبني ما دام لا يشعر بالأمان والاستقرار، وما أجمل قول القائل: "إن كل نظام سياسي أو اقتصادي، وطني أو عالمي، لا يتخذ تطبيق حقوق الإنسان غايةً له هو نظام فاسد، ومصيره العاجل والآجل التهافت والانهيار".


هذا الأمر يحدث في سائر الأقطار العربية والإسلامية؛ ولذلك تأخرت الأمة، واضطرب حالها، فإن أي أمة لا تنهض بدون عقيدة تحوطها حريةٌ وكرامةٌ، وهدفٌ وغايةٌ، فهل الأمة الإسلامية اليوم تملك شيئًا من هذا؟! الإجابة بالطبع لا.. إن تفريغ العقول والقلوب من العقيدة والأخلاق والقيم لهو أمر خطير على مستقبل هذه الأمة، وإن قيام البعض بتصوير التدين على أنه تهمةٌ، والجدية على أنها تخلف، والالتزام على أنه تنطع، والحرية عند هذا البعض إثم كبير.. لهو أمر غريب وعجيب، فهل من مدكر؟!


الساعة الآن 08:02 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات اليمن أغلى