عادل قحطان
26-03-2014, 09:48 PM
إن الحديث عن الحرية لهو حديث طويل ومتشعب ،ولكن سوف نحصر الحديث هنا عن خمسة مواضيع رئيسية وهامة عن الحرية التي جاء بها ديننا الاسلامي الحنيف
وعى اليها ونادى بها.
1- حرمة الإنسان وكرامته:
إن من أعظم حقوق الإنسان في الإسلام حرية الرأي والفكر، وأن يقول إلا بصدق، وأن يقول نعم بحق، وأن حفظ كرامته وحرية رأيه- وحرمة دمه وماله وعرضه- قد وصلت في الإسلام إلى حدِّ التقديس.
وحرمة المؤمن تتمثل في حرمة عرضه وماله ودمه، واحترام فكره ورأيه.. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" (رواه مسلم) ويقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركًا أو الرجل يقتل مؤمنًا" (أبو داود وابن حبان والحاكم).
لكل نفس في الإسلام حرمةٌ، وكرامةُ الإنسان بحكم إنسانيته أمر ظاهر في شريعة الإسلام، وحرمة النفس أعظم من حرمة الكعبة، فعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: "رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك!! ما أعظمك وأعظم حرمتك!! والذي نفسُ محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك.. ماله ودمه.. وأن نظن به خيرًا" (رواه ابن ماجة).
ولقد أكد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- في حجة الوداع هذا الأمر، فقال:".. فإن دماءَكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.. إلى أن تلقَوا ربكم" (رواه البخاري وأحمد)، وفي الحديث.. "كل المسلم على المسلم حرام.. دمه وماله وعرضه".
ولذلك فإن الإسلام حافظ على كيان الإنسان، وحذَّر من العدوان عليه، وكفل لكل فرد- كما كفل للأمة كلها- كلَّ عناصر العدالة والكفاية والأمان، وكفَّ عن الجميع عواملَ الاستفزاز والإثارة وكل عوامل الكبت والقمع وكل عوامل الظلم والاعتداء، ومن هنا يصبح العدوان في مثل هذا المجتمع الفاضل على نفس واحدة جريمةً بشعةً وعملاً منكرًا، بل عدوانًا على البشرية كلها، فكأن المعتدي قتلَ الناس جميعًا، كما أن العمل على الاستقرار ودفع أذى القاتل ورده واستحياء نفس واحدة يعتبر عملاً عظيمًا يعدل إنقاذ الناس جميعًا.. قال الله تعالى: ?مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا? (المائدة: 32)، وفي الأثر: "الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدمه".
إن الإنسان أرقى نماذج الحياة، مصوغٌ كيانه من مادة الكون الأولى.. ?وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ? (المؤمنون: 12) وإن أفراد هذا الإنسان بعد موجودون في أصلهم الواحد متساوون في نسبتهم إليه "أنتم بنو آدم وآدم من تراب" (رواه مسلم).
ولقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وكرَّمه وأرسل له رسله، وقال ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً? (الإسراء: 70).. هذه هي بعض مكانة الإنسان في الإسلام وتلك هي منزلته.
2- ومن حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز أن تُسلب منه بحال من الأحوال حرية إبداء الرأي..
فمن حق الإنسان أن يفكر وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن رأيَه فيما يراه من عوج وفساد، وأن ينكر على غيره ما وقع منه من تجاوزات وظلم، وجاء في الحديث "لايمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق" (رواه ابن ماجة)، وفي الحديث أيضًا "قل الحق وإن كان مرًّا، ولا تخف في الله لومة لائم" (رواه الطبراني)، وسيدنا عمر هو القائل: "لاخيرَ فيكم إن لم تقولوها ولا خيرَ فينا إن لم نسمعها".
وتنقسم الحرية في الإسلام إلى حريات تتعلق بمصالح الأفراد المادية أو الميدان السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وهي الحرية الشخصية، وحق التملك، وحرمة المسكن، وحرية العمل والتجارة والسفر والصناعة، وحرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرية تأليف الجماعات، وحرية التعليم، وحرية إصدار الصحف، وحرية الاجتماعات، وتعتبر حرية الرأي بمثابة الأم لسائر الحريات، وما الحريات الأخرى إلا مظهرٌ من مظاهر حرية الرأي؛ إذ إن جميع هذه الحريات ترتد إليها، ومنهج الإسلام في حدود حرية الرأي وضوابطه تكمن في كلمة واحدة هي التزام (الحق)، يقول سبحانه وتعالى: ?وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ? (سورة العصر).. أي تواصوا بالخير والمصلحة العامة، كما بينها الشرع (حق الله).
إن معنى كلمة (الحق) في الآية يستوعب كل عناصر حسن النية، سواءٌ ما يتعلق منها بصدق الوقائع الباعثة على الرأي، أو صدق الرأي مع عقيدة الناقد والموجِّه.. جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط يقول- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا، وثلاث ملهكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".
وروى أبو عبيدة قال: بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن نقول الحق أينما كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائم (رواء مسلم).. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أول ليصمت" (رواه البخاري ومسلم)، وهذا الحديث جامع لحدود حرية الرأي السياسي وضوابطه.. ذلك أن كلمة (خيرًا) تعني الالتزام بالحق، وأنها تحمل المعنى الإيجابي وهو المصلحة العامة المستهدفة من النقد والنصح، فضلاً عن توافر كل عناصر حسن النية والصدق، وهو ضابط لحرية القول أو النقد السياسي.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى لم يبعث نبيًّا ولا خليفةً إلا وله بطانتان، بطانةٌ تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانةٌ لا تألوه خبالاً، ومن يوقَ بطانة السوء فقد وُقي" (رواه البخاري ومسلم).
وواضح أن المصلحة العامة تدخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا الحديث بطانةٌ تخلص في النصح، وتؤثر المصلحة العامة وترشد إليها، ومن هؤلاء النقَّاد السياسيون الذين يلتزمون حدود النقد بحق، وعلى الأخص استهداف المصلحة العامة.
3- صيانة حرمات الإنسان
يقيم الإسلام سياجًا في المجتمعات، يحفظ به حرماتهم وكراماتهم وحرياتهم، ويقدم الإسلام مبادئ في الرعاية والعناية بحقوق الناس، فلا يؤخذون بالظن، ولا يحاكَمون بالريب، ولا يصبح الظن أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم، والرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يقول: "إن ظننت فلا تخفق" (أخرجه الطبراني)، ومعنى هذا بصراحة أن يظل الناس أبرياءَ، مصونةٌ حقوقهم وحرياتهم واعتبارهم؛ حتى يظهر بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤخذون عليه، ولا يكفي أبدًا مجرد الظن بهم لتعقبهم.
فأي مدًى من صيانة كرامة الناس وحقوقهم واعتبارهم؟ وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطيةً وحريةً وصيانةً لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، حين قال لهم: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ? (الحجرات: 12).
4- تحريم التجسس
ويحرم الإسلام التجسس، والقرآن يقاومه ويكرهه ويمقته أشد المقت؛ لأنه عمل دنيء من الناحية الأخلاقية، ويريد الإسلام بذلك تطهير القلوب من أمثال هذه الاتجاهات الخسيسة لتتبع عورات الآخرين، وكشف سوءاتهم، وتمشيًا مع أهدافه العليا في نظافة الأخلاق والقلوب، وصيانة الأمة من العبث والإجرام، والأمر أكبر من هذا أثرًا، فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسة في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية.. إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكرامتهم التي لا يجوز أن تنتهك في أي صورة من الصور، ولا أن تُمَسَّ بحال من الأحوال.
ففي المجتمع الإسلامي الرفيع يعيش الناس آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم، ولا يوجد مبرر- مهما يكن- لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات، وحتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعةً ومبررًا للتجسس على الناس، فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقَّب بواطنهم، وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما ظهر منهم من مخالفات أو جرائم.. جاء في الأثر: "يا معشر من آمن لسانه، ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في قاع بيته".
إن التحرر من الخوف، والتحرر قبله مما عدا الله هو الذي يفتح الطريق أمام الشعوب لحياة كريمة، ويجب أن تحترم حقوق الإنسان أيًّا كان هذا الإنسان، ويجب الإيمان بالمساواة أمام القانون، فسحق كرامة الإنسان هي السبب المباشر فيما تعانيه الأمة العربية والإسلامية اليوم؛ لأن المظلوم والمستعبَد لا يحرر أوطانًا، ولا يدفع عدوانًا، ولا يستطيع أن يعمِّر أو يبني ما دام لا يشعر بالأمان والاستقرار، وما أجمل قول القائل: "إن كل نظام سياسي أو اقتصادي، وطني أو عالمي، لا يتخذ تطبيق حقوق الإنسان غايةً له هو نظام فاسد، ومصيره العاجل والآجل التهافت والانهيار".
هذه بعض الجوانب المضيئة من صفحات الإسلام المشرقة في تكريم الإنسان، واحترام عقله، وتقدير تفكيره ورأيه، وتقديس حرمته، فأين الإنسان اليوم- وخاصةً المسلم- من هذا التكريم.. الإنسان اليوم فقد كل شيء.. حقوقه وحريته وكرامته، وأصبح- خاصةً المسلم- لعبة في أيدي المعتدين، يمكن أن يُعتقل دون أن يحقَّق معه وأن يُسجَن وأن يعذب وأن يوضع في أشد الظروف، ثم يفرج عنه، وقد يقدَّم للمحاكمة ويُلقى به في غياهب السجون، فلا قانونَ ولا اعتبارَ لأي شيء، بهذه البساطة تنزل به كل هذه النوازل، بغير أي ذنب ارتكبه، ما تهمته؟ وما جرمه حتى يعامل هكذا؟
وعى اليها ونادى بها.
1- حرمة الإنسان وكرامته:
إن من أعظم حقوق الإنسان في الإسلام حرية الرأي والفكر، وأن يقول إلا بصدق، وأن يقول نعم بحق، وأن حفظ كرامته وحرية رأيه- وحرمة دمه وماله وعرضه- قد وصلت في الإسلام إلى حدِّ التقديس.
وحرمة المؤمن تتمثل في حرمة عرضه وماله ودمه، واحترام فكره ورأيه.. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" (رواه مسلم) ويقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركًا أو الرجل يقتل مؤمنًا" (أبو داود وابن حبان والحاكم).
لكل نفس في الإسلام حرمةٌ، وكرامةُ الإنسان بحكم إنسانيته أمر ظاهر في شريعة الإسلام، وحرمة النفس أعظم من حرمة الكعبة، فعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: "رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك!! ما أعظمك وأعظم حرمتك!! والذي نفسُ محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك.. ماله ودمه.. وأن نظن به خيرًا" (رواه ابن ماجة).
ولقد أكد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- في حجة الوداع هذا الأمر، فقال:".. فإن دماءَكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.. إلى أن تلقَوا ربكم" (رواه البخاري وأحمد)، وفي الحديث.. "كل المسلم على المسلم حرام.. دمه وماله وعرضه".
ولذلك فإن الإسلام حافظ على كيان الإنسان، وحذَّر من العدوان عليه، وكفل لكل فرد- كما كفل للأمة كلها- كلَّ عناصر العدالة والكفاية والأمان، وكفَّ عن الجميع عواملَ الاستفزاز والإثارة وكل عوامل الكبت والقمع وكل عوامل الظلم والاعتداء، ومن هنا يصبح العدوان في مثل هذا المجتمع الفاضل على نفس واحدة جريمةً بشعةً وعملاً منكرًا، بل عدوانًا على البشرية كلها، فكأن المعتدي قتلَ الناس جميعًا، كما أن العمل على الاستقرار ودفع أذى القاتل ورده واستحياء نفس واحدة يعتبر عملاً عظيمًا يعدل إنقاذ الناس جميعًا.. قال الله تعالى: ?مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا? (المائدة: 32)، وفي الأثر: "الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدمه".
إن الإنسان أرقى نماذج الحياة، مصوغٌ كيانه من مادة الكون الأولى.. ?وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ? (المؤمنون: 12) وإن أفراد هذا الإنسان بعد موجودون في أصلهم الواحد متساوون في نسبتهم إليه "أنتم بنو آدم وآدم من تراب" (رواه مسلم).
ولقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وكرَّمه وأرسل له رسله، وقال ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً? (الإسراء: 70).. هذه هي بعض مكانة الإنسان في الإسلام وتلك هي منزلته.
2- ومن حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز أن تُسلب منه بحال من الأحوال حرية إبداء الرأي..
فمن حق الإنسان أن يفكر وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن رأيَه فيما يراه من عوج وفساد، وأن ينكر على غيره ما وقع منه من تجاوزات وظلم، وجاء في الحديث "لايمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق" (رواه ابن ماجة)، وفي الحديث أيضًا "قل الحق وإن كان مرًّا، ولا تخف في الله لومة لائم" (رواه الطبراني)، وسيدنا عمر هو القائل: "لاخيرَ فيكم إن لم تقولوها ولا خيرَ فينا إن لم نسمعها".
وتنقسم الحرية في الإسلام إلى حريات تتعلق بمصالح الأفراد المادية أو الميدان السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وهي الحرية الشخصية، وحق التملك، وحرمة المسكن، وحرية العمل والتجارة والسفر والصناعة، وحرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرية تأليف الجماعات، وحرية التعليم، وحرية إصدار الصحف، وحرية الاجتماعات، وتعتبر حرية الرأي بمثابة الأم لسائر الحريات، وما الحريات الأخرى إلا مظهرٌ من مظاهر حرية الرأي؛ إذ إن جميع هذه الحريات ترتد إليها، ومنهج الإسلام في حدود حرية الرأي وضوابطه تكمن في كلمة واحدة هي التزام (الحق)، يقول سبحانه وتعالى: ?وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ? (سورة العصر).. أي تواصوا بالخير والمصلحة العامة، كما بينها الشرع (حق الله).
إن معنى كلمة (الحق) في الآية يستوعب كل عناصر حسن النية، سواءٌ ما يتعلق منها بصدق الوقائع الباعثة على الرأي، أو صدق الرأي مع عقيدة الناقد والموجِّه.. جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط يقول- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا، وثلاث ملهكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".
وروى أبو عبيدة قال: بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن نقول الحق أينما كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائم (رواء مسلم).. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أول ليصمت" (رواه البخاري ومسلم)، وهذا الحديث جامع لحدود حرية الرأي السياسي وضوابطه.. ذلك أن كلمة (خيرًا) تعني الالتزام بالحق، وأنها تحمل المعنى الإيجابي وهو المصلحة العامة المستهدفة من النقد والنصح، فضلاً عن توافر كل عناصر حسن النية والصدق، وهو ضابط لحرية القول أو النقد السياسي.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى لم يبعث نبيًّا ولا خليفةً إلا وله بطانتان، بطانةٌ تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانةٌ لا تألوه خبالاً، ومن يوقَ بطانة السوء فقد وُقي" (رواه البخاري ومسلم).
وواضح أن المصلحة العامة تدخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا الحديث بطانةٌ تخلص في النصح، وتؤثر المصلحة العامة وترشد إليها، ومن هؤلاء النقَّاد السياسيون الذين يلتزمون حدود النقد بحق، وعلى الأخص استهداف المصلحة العامة.
3- صيانة حرمات الإنسان
يقيم الإسلام سياجًا في المجتمعات، يحفظ به حرماتهم وكراماتهم وحرياتهم، ويقدم الإسلام مبادئ في الرعاية والعناية بحقوق الناس، فلا يؤخذون بالظن، ولا يحاكَمون بالريب، ولا يصبح الظن أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم، والرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يقول: "إن ظننت فلا تخفق" (أخرجه الطبراني)، ومعنى هذا بصراحة أن يظل الناس أبرياءَ، مصونةٌ حقوقهم وحرياتهم واعتبارهم؛ حتى يظهر بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤخذون عليه، ولا يكفي أبدًا مجرد الظن بهم لتعقبهم.
فأي مدًى من صيانة كرامة الناس وحقوقهم واعتبارهم؟ وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطيةً وحريةً وصيانةً لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، حين قال لهم: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ? (الحجرات: 12).
4- تحريم التجسس
ويحرم الإسلام التجسس، والقرآن يقاومه ويكرهه ويمقته أشد المقت؛ لأنه عمل دنيء من الناحية الأخلاقية، ويريد الإسلام بذلك تطهير القلوب من أمثال هذه الاتجاهات الخسيسة لتتبع عورات الآخرين، وكشف سوءاتهم، وتمشيًا مع أهدافه العليا في نظافة الأخلاق والقلوب، وصيانة الأمة من العبث والإجرام، والأمر أكبر من هذا أثرًا، فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسة في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية.. إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكرامتهم التي لا يجوز أن تنتهك في أي صورة من الصور، ولا أن تُمَسَّ بحال من الأحوال.
ففي المجتمع الإسلامي الرفيع يعيش الناس آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم، ولا يوجد مبرر- مهما يكن- لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات، وحتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعةً ومبررًا للتجسس على الناس، فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقَّب بواطنهم، وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما ظهر منهم من مخالفات أو جرائم.. جاء في الأثر: "يا معشر من آمن لسانه، ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في قاع بيته".
إن التحرر من الخوف، والتحرر قبله مما عدا الله هو الذي يفتح الطريق أمام الشعوب لحياة كريمة، ويجب أن تحترم حقوق الإنسان أيًّا كان هذا الإنسان، ويجب الإيمان بالمساواة أمام القانون، فسحق كرامة الإنسان هي السبب المباشر فيما تعانيه الأمة العربية والإسلامية اليوم؛ لأن المظلوم والمستعبَد لا يحرر أوطانًا، ولا يدفع عدوانًا، ولا يستطيع أن يعمِّر أو يبني ما دام لا يشعر بالأمان والاستقرار، وما أجمل قول القائل: "إن كل نظام سياسي أو اقتصادي، وطني أو عالمي، لا يتخذ تطبيق حقوق الإنسان غايةً له هو نظام فاسد، ومصيره العاجل والآجل التهافت والانهيار".
هذه بعض الجوانب المضيئة من صفحات الإسلام المشرقة في تكريم الإنسان، واحترام عقله، وتقدير تفكيره ورأيه، وتقديس حرمته، فأين الإنسان اليوم- وخاصةً المسلم- من هذا التكريم.. الإنسان اليوم فقد كل شيء.. حقوقه وحريته وكرامته، وأصبح- خاصةً المسلم- لعبة في أيدي المعتدين، يمكن أن يُعتقل دون أن يحقَّق معه وأن يُسجَن وأن يعذب وأن يوضع في أشد الظروف، ثم يفرج عنه، وقد يقدَّم للمحاكمة ويُلقى به في غياهب السجون، فلا قانونَ ولا اعتبارَ لأي شيء، بهذه البساطة تنزل به كل هذه النوازل، بغير أي ذنب ارتكبه، ما تهمته؟ وما جرمه حتى يعامل هكذا؟