المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدجاجه العمياء


ابو ريتال
24-02-2014, 10:36 AM
رأيتُها وهي تمشي بين أتْرابها في ساحة بيتنا،
كانتْ تتردَّى أحيانًا كما تتردَّى الذبيحة عندما تُفارِق السكينُ رقبتَها،
ولكنَّها ﻻ‌ تملُّ وﻻ‌ تسكن،
كنتُ كلما تسلَّل الملل إلى نوافذ نفسي خرجتُ ﻷ‌جلس أمامَ غُرْفتي
في ساحة البيت؛ ﻷ‌رى كيف تلتقط هذه الدجاجةُ الحَبَّ في سرعة عجيبة،
وكأنَّ الله قد أبدلها عينين في منقارِها، وطالما كنت أفكِّر وأطيل التفكير،
وكأنَّني أحاول استدعاءَ بيت شعر من ذاكرة الشِّعر العربي
التي طالما أسعفتني بكلِّ طريف،
وكأنَّ ما أراه هو كتابُ الحياة الواسعة الذي يلوذ به المكلومُ
كلَّما بهرتْه الشدائد، وأجهدتْه المفاوز


كانتْ دجاجتُنا تتَّخِذ مِن نسيم الهواء دليﻼ‌ً على خلوِّ الطريق،
وتتَّخِذ من حائطِ البيت عكازًا تتوكَّأُ عليه إذا ما أرادتِ السَّيْر،
وكان أترابها يستخفُّون بضعْفها، ويسخرون من عاهتها، وكأنَّهم يختبرونها؛
ليطمئنُّوا أنها عاهةٌ حقيقيَّة، وليس ما تجيء به مِن أفعالٍ ظُلْمًا وَزُورًا،
كما يفعل بعضُ المتسوِّلين من أصحاب العاهات المصطَنَعة

كانتْ نفسي تهمس إليَّ كلَّما رأتْني شاردَ الذهن قائلة:عجبًا لك، أتتَّخِذ من هذا المخلوق الضعيف العِبرةَ والعظة؟!
وطالما أجبتُها: وكيف ﻻ‌، وقد ضرَب أروع اﻷ‌مثلة في الجِدِّ والسعي،
والتغلُّب على العقبات والعراقيل، فدَعِي عِتابَك جانبًا،
فما خُلِق مثل هذا الدجاج فقط ليؤمَّ على موائد الطعام،
تتهافَتْ إليه اﻷ‌يدي في نَهَم، بل خُلِق أيضًا لتتهافت إليه العقول؛
رغبةً في استِكْناه حقيقته، حتى يأخذَ العقل بنصيبه من الغذاء، كما أخَذَ البدن
أيتها النفس المجادِلة، إنْ كنت تريدين البيِّنة،
فعندي ما يَدمغ كلَّ ما يدور في خَلَدك من أوهام،
عليَّ بدايةً أن أنزلك منزلة ( دمنة ) صديق كليلة؛ ﻷ‌نك حقًّا تشبهينه،
ولكنَّه - على سذاجته - كان يسأل ليقفَ على الحقائق التي يجهلها،
فقد رأى دجاجةً تحتضن بيضَها في شوق،
وسمع بعضَ أصوات الفراخ وهي تنبعث من خﻼ‌ل رِيشها، فاقتربَ منها؛
ليراقبَ الفراخ مراقبةَ المشوق المستهام، ثم طرَقتِ اللهفة مجاهل مداركه،
فدفَعَه الفضول إلى نَزْع قشرة إحدى البيضات،
لما رأى فرخها ﻻ‌ يستطيع الخَﻼ‌ص منها،
وما أنْ فعل فِعْلته حتى صاح فيه كليلة

ماذا تفعل أيُّها المسكين الجاهل؟! لقد أطعمتَ الغيَّ من حيث ظننتَ قتلَه،
يا هذا، إنها حكمة الله التي قضَتْ على هذا الفرخ أن يعملَ مع أوَّل شهيقٍ
يتنفَّسه على ظهر هذه الدنيا، حتى إذا ما قويتْ سواعده
استَطاع أن يخوضَ غِمار الحياة في ثبات وبأس،
إنه التدريب اﻷ‌وَّل الذي يجتاز به الفرخُ اختبارَ القدرات
على الصِّراع مع هذه الحياة الدنيا، فإذا ما ساعدتَه اﻵ‌ن فكأنَّما تقضي عليه،
وتحدُّ من قدراته، ومِن ثَمَّ طموحاته في الحياة

ما أشبهَ دجاجتنا هذه بصَوْت الضمير الذي يتردَّى مرارًا، وقلَّما أفلح في امتِﻼ‌ك زِمام صاحبه،
وما أشبهَ أترابها بهؤﻻ‌ء القُساة الذين ألْقى الغيُّ بعِنانهم في أرْض النِّفاق
والرِّياء، حتى غدتْ أنفاسهم كبرًا، وغدَا شرابهم زهوًا،
وكأنما خُلِقت لهم الدنيا
إنَّ هذه الدجاجة لتدعو بصنيعها ذوي العقول مِن البشر إلى واحةٍ خضراءَ،
ماؤها التواضع، وثمارها الصبر، حيث ﻻ‌ غشَّ وﻻ‌ تمارُض،
حيث ترى الفﻼ‌ح خارجًا من بيته مُبكِّرًا، ومن خَلْفه دوابُّه،
والنسيم الصافي يتسابق في الوصول إلى رِئتيه،
فﻼ‌ح أحبَّ الحياة فأحبَّتْه الحياة،
وأظنُّنا بعدَ ذلك ﻻ‌ نُوافِق أبا العﻼ‌ء المعري في قوله:
تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ...
على ما به مِن مسحة التشاؤم التي صُدِمْنا بها مع الكلمة اﻷ‌ولى منه،
إنَّنا ﻻ‌ نحتاج للثورة على هذا البيْت بقدر ما نحتاج إلى تعديله،
ليكُن صدره مثﻼ‌ً:
عَمَلٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ...
أقول ذلك حتى ﻻ‌ يتسلَّل اليَأس إلى بعض القلوبِ المريضة،عندما تُصدَم بالكلمة اﻷ‌ولى ( تعب )،ومع هذا فبَيْت أبي العﻼ‌ء
ليس دعوةً إلى ترْك الحياة مطلقًا، والهروب من معتركاتها، بقَدْر ما هو تسلية لِمَن يجدُّ ويجتهد، وكأنه يقول له:استمِرَّ على ما أنت عليه؛ فالحياة جِدٌّ وتَعَب، وإﻻ‌ كانت موتًا باردًا تتجرَّعه وﻻ‌ تكاد تُسيغه، إنها دعوة للطالب والعامل،
وكل طبقات المجتمع، دعوة للتمرُّدِ على عقبات الحياة وعراقيلها،
من أجل تحطيم شبَح اليأس، وآفاق الفشل، فهل مِن مجيب ؟

ابو ريتال
24-02-2014, 10:37 AM
منقول