المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذكراتي اللندنية خير جليس في هذا الزمان


نديم الهوى
30-11-2011, 03:45 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام وأنتم بخير

أحببت أن أشارك أخوتي في اليمن قراءة كتابي الأول الذي يحمل عنوان "مذكراتي اللندنية" وقد حصل منذ 25 أكتوبر وحتى تاريخة على لقب الكتب الأكثر مبيعاً في العالم العربي،، والسر ستعرفونه من خلال اللقاء الذي أجريته مع تلفزيون المستقبل حيث استضافتني الإعلامية المتألقة غادة حسون في برنامج عالم الصباح. الكتاب يوجد حاليا عن طريق طلبه من مكتبة الفرات والنيل أون لاين. أتمنى أن يساعدني أحد الإخوة في هذا المنتدى الراقي والوصول إلى مكتبات يمكن التعاقد معها داخل اليمن لأن شباب اليمن شريحة مهمة أتوقع أنها ستجد الكثير من المتعة في كتابي.

تحياتي وكل عام وأنتم بخير وسلامة إن شاء الله

نديم الهوى

http://www.youtube.com/watch?v=85ltIJya564

http://profile.ak.fbcdn.net/hprofile-ak-ash2/371872_100001981158643_140798194_n.jpg


http://www.youtube.com/watch?v=kYJBpht4EwY&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=_QP5YIMkIi4&feature=related

نديم الهوى
04-12-2011, 07:37 PM
مقتطفات غيرمنقحة من مذكراتي اللندنية





شفاء داء ودواء

بعد مرورع الأيام تحسنت حالتي بشكل كبير سوى من بعض الآلام التي تعاودني بين فترة وأخرى بصداع جانبي أثر حتى على ذاكرتي القصيرة المدى واستمرت معي لهذا اليوم،،، فأنا لحد هذا اليوم أستطيع أن أذكر جيداً الأحداث القديمة بتفاصيلها، ولكن أجد صعوبة في تذكر الأحداث القريبة التي تمر بي. وقد شرح لي طبيبي الدكتور "هورنر" خطورة إصابتي وقال لي أن العناية الإلهية أنقذتني من موت محقق، فلو استمر النزيف والإغماء لخمس ساعات لاحقة لفارقت الحياة لا محالة.

وفي يوم من أيام أغسطس الجميلة كنت جالساً بجوار النافذة لا أستطيع أن أتمتع جيداً بالتنزه في الحدائق أو الأسواق أو رؤية السياح الذين أصبحوا في ذروتهم في شوارع لندن في هذا الوقت من السنة، وذلك بسبب الصداع الذي نكد علي عيشتي وسرق أجمل الأوقات مني. لكن فجأة دق الهاتف، فتناولته لأسمع صوت شفاء تتحدث من "دار الحي"،،، فرحبت بها وأخبرتها بالقصة والآلام التي الرهيبة التي أعاني منها بالرغم من تناولي المسكنات القوية،،،،،،فردت علي بكلمة سحرية سرت بسببها قشعريرة في جسمي عندما قالت "وا عني يا نديم" وش صار فيك يا حياتي..،،، ليته فيني ولا فيك،،،،،،،،،،،،،. كلمة "واعني" أي فديتك بروحي،،،،كانت والله بلسماً شافياً أفرزت في جسمي مادة "الأدريانيل" التي تولد للإنسان الشعور بالمتعة والثقة وتزيل الشعور بكل الآلام، فلم أعد أحس بأية آلام بعدها بالمرة. فقلت لها" بأن لك يا شفاء والله من اسمك نصيب،،،فما بقي بي من آلام قد تلاشت تماماً عندما سمعت صوتك"،،،،ردت بسعادة،،، إذن انتظر المفاجأة،،، فأنا قادمة إلى لندن بعد يومين،، وستراني صوتاً وصورة ،،، وليس صوتاً فقط ،،،فأنا قادمة في رحلتي الصيفية لمدة شهرين،،،،لنرى ماذا سيحل بك يا نديم"،،،،،،،،،رددت سوف يغمى علي بلا شك مرة أخرى،،،وضربتة في الرأس وأخرى في القلب توجع يا شفاء،،،،،،،،،،،،،لكني على كل حال في انتظارك على أحر من الجمر مهما يكن الأمر،،، وذلك في مطار هيثرو بعد يومين،،،،،،،إلى اللقاء،،

ذهبت من فوري لوكالة عربية في لندن اسمها نفرتيتي تنظم رحلات في ادجوررود وحجزت رحلة لثلاثة أيام من موعد وصول شفاء لمدينة بلاك بول الترفيهية وحجز غرفتين منفصلتين في فندق إمبريال هوتيل IMPERIAL HOTEL BLACKPOOL. استقبلتها في المطار في الصباح الباكر،،، وقدمت لها باقة ورود بيضاء ،،،واستقلينا التاكسي حتى ادجوررود ووضعنا الحقائب في شقتها ،،،لكن للأسف فالحافلة المتجه إلى بلاك بول قد غادرت لندن إلى بلاك بول منذ أن كنت في المطار،،، فاستقلينا القطار من محطة يوستن حتى بلاك بول ووصلنا إلى الفندق قبل أن تصل الحافلة بنحو ساعة ووجدنا أسمائنا ضمن الحجوزات في غرفتين متقابلتين،،،،،،،،،.

كان الجو منعشاَ وصيفياً جميلاً في بلاك بول،،،،المدينة الشاطئية التي تقع في الشمال الغربي مقابلة للبحر الأيرلندي أو بداية المحيط الأطلسي،،،،وتتميز بوجود الملاهي والألعاب على طول الشاطئ الذهبي الجميل،،،،،،،،،،،،،

ذهبنا من فورنا إلى الملاهي الرئيسية في بلاك بول وهي نسخة مصغرة عن والت ديزني،،،ولم أركب الألعاب الخطرة لعدم ثقتي بشفاء إصابتي تماماً بعكس شفاء التي كانت تسرح وتمرح في كل لعبة وهي تضحك علي بأني لا أستطيع أن أجاريها اللعب،،،،والحمد لله أنها لم تستطع أن تستفزني لأنها عندما عادت من لعبة قطار الموت،،،، عادت وهي تبكي من الخوف،،،، وكحلها البدوي يملأ وجنتيها وشعرها منكوش وقد طارت "شيلتها" في السماء،،،،نحو أيرلندا الشمالية،،،خخخ،،، ولو أني طاوعتها وركبت معها لطار الشاش الأبيض الذي يلف رأسي،،،،لكني كنت متأكداً بأن الشاش لو طار فهو لن يطير لوحده،،،بل سيحلق في السماء بحثاً عن شيلتها ليعانقها ويطير بها بعيداً في غياهب بحر الظلمات،،،،،.

أخذنا راحة قصيرة بعد ذلك عندما حل وقت الغداء في مطعم وسط الهواء الطلق وطلبنا فش آند شبس ونحن نراقب أحد المحلات التي تعمل قوارير فيها رمال ملونة وأخرى لعمل ساعات رملية جميلة تنقلب بعد مرور ساعة كاملة،،لتبدأ بالانسكاب لساعة أخرى،،، ومكتوب عليها ساعات "بلاك بول الرملية" عشرة جنيهات للواحدة،،،،،،،،،،،،،،،،انتهينا من الغداء وخرجنا نحو الشاطئ الرملي الجميل وبدأت لي شفاء بروح معنوية عالية فتخلصت من حذائها وجرت حافية كسندريلا على الرمال الذهبية وأنا أنظر بافتتان لقدميها الجميلتين التي تزينها نقوش الحناء الغاية في الروعة والأنوثة،،،،فدنوت منها وأخذت كيساً فارغاً وجمعت فيه الرمل الذي وطئتها بقدميها وهي ترقبني بحيرة،،،،،،،،،وقالت نديم "ما بك" هل تريد أن تسحرني،،،لن تستفيد شيئاً فقد تمكنت من روحي بدون سحر،،،،،،،،،،،رديت عليها ،،لو كان الأمر بيدي لسحرتك سحر تفريق،،،،لأني في هواك أصبحت كالغريق،،،،وأخذت الرمل الذي فيه أثرها وعدت معها إلى صاحب الساعات الرملية وطلبت منه أن يعمل لي ساعة تحمل الرمال الذي وطئتها قدميها،،،،فأبتسم الثعلب الإنجليزي بمكر،،، وقال سوف يكلفك ذلك خمسون جنيهاً يا سيدي،،،،تعال في الغد وستكون الساعة جاهزة بين يديك،،،،،،،،،،قلت له بل اصنعها الآن أمامي كي يطمئن قلبي أنك لن تغير "الرمال التي وطئتها شفاء" وخذ مئة جنيه،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،الساعة لا زالت تتقلب في مكان آمن في "مغارات تورا بورا" منذ سنوات عدة عندما ذهبت للجهاد في أفغانستان ولم أتخلى عنها وكنت أتمنى أن تدفن معي،،،،،،،،،،،،،ولم تهتز يوما من قنابل زنتها 20 طناً،،، وعدت من دونها والله وقاني من اسباب المنية



عمر الشقي بقي

في أحد الليالي الجميلة، كنت عائداً من زيارة أخي سيراً على الأقدام من شارع هارلي ستريت متجهاً إلى شقتنا في شارع الكوينز واي، حيث يبعد المستشفى عن السكن نحو ستة كيلومترات وكنت أقطع المسافة في أقل من 35 من السير الحثيث، وفي أحيان كثيرة كنت أستقل الباص اللندني الأحمر العتيق رقم 23 أو رقم 7 أو رقم 23، المتجه نحو الغرب باتجاه السكن، وإن كنت مستعجلاً فأركب الأندرقراوند من أكسفورد سيركس واستخدام السنترال لاين ذي اللون الأحمر نحو محطة ماربل آرش ومن ثم محطة لانكستر قيت وأتوقف عند غايتي في محطة الكوينزواي. وشبكة قطارات الأندرقراوند (قطارات تسير تحت الأرض) هي اﻷقدم على مستوى العالم، إذا استثنينا نفق الدمام بالطبع والذي يقال أنه دخل موسوعة جنيس للأرقام القياسية في مدة بنائه والله المستعان. ويعود تاريخ إنشاء الأندرقراوند إلى عام 1863م، ومجموع طول الشبكة يصل 415 كم. وأهم المحطات الرئيسية هي محطة تشارينغ كروس (Charing Cross)، ومحطة أوستون (Euston)ومحطة كنغس كروس (King's Cross) ومحطة ليفربول ستريت (Liverpool Street) ، ومحطة بادينغتون (Paddington)، ومحطة سانت بانكراس (St Pancras)، ومحطة فيكتوريا (Victoria) ومحطة واترلو (Waterloo) ومحطة لندن بريدج (LondonBridge)..

في تلك الليلة كنت قد عزمت الأمر على ركوب الأندرقراوند نظراً لبرودة الجو وكانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف مساءً، سرت حتى وصلت بوابة محطة أكسفورد سيركس، ولكن قبل أن أدخل إلى المحطة غيرت رأيي في آخر لحظة عند العتبة بالضبط، وقلت لنفسي سأسير على قدماي ما دمت ألبس ملابس شتوية مناسبة كي أعرج بطريقي إلى ادجور رود ومن ثم أقرر هل أركب الباص أم أكمل السير على قدماي من هناك. كنت رغم صغر سني أسير لوحدي في الليل وأحب أن أسلك الشوارع الجانبية المعتمة في طريق الذهاب أو العودة للمستشفى وأمر بجوار البارات والنوادي الليلية الخلفية والمواخير الخطرة ولم أفكر يوماً بأن ذلك ليس من الحكمة بشيء من ناحية الأمان، لم أشعر ولو مرة واحدة بالخوف من المكان الذي أنا فيه إلا عندما تواجدت في نوتنقهيل قيت، المنطقة التي يوجد بها منزل بوب مارلي، فتلك المنطقة موحشة بالفعل، وأجسام الزنوج لا يمكن التعامل معها عندما يحمى الوطيس، ولا يمكن كذلك الفرار منهم إذا لزمت الحاجة فهم مشهورين بالسرعة في العدو، فأين المفر؟؟. والشجاعة هذه أو الجرأة لم أكسبها من مدينة الدمام الوادعة، بل اكتسبتها من نشأتي المبكرة في مدينة الطائف، فقد كنا نسكن في حارة اسمها الريان وكان منزلنا مقابل المقبرة تماماً والتي كنا نلهو حولها في الليل ونتحدى بعضنا في الطرق على جدارها الطيني والاختفاء بين القبور أثناء اللعب، وأهل الطائف شجعان بطبعهم وإن لم تكن ذئباً بينهم أكلتك الأسود هناك. كنت وكان غيري والذين لم تتجاوز أعمارهم الثالثة عشرة في الطائف نحمل السكاكين في طيات ملابسنا طوال الوقت، وإن غلبت الروم نحمل مفكات البراغي. أذكر مرة من المواقف الطريفة عندما كنا صغار في السن لم تكن البقالات تبيع الخبز كما هو حاصل الآن، بل يوجد "تماس" أي خباز في بعض الحارات يتجه له الناس في الصباح والمساء، أما وقت الظهيرة فالعادة تعمل ربة البيت الخبز الخاص بالمنزل. كان "التماس واسمه العم حاتم اليماني" يوجد في الحارة المقابلة لحارتنا وتسمى حارة الجودة، وهم قبيلة كاملة وكريمة تسكن في حي واحد، وإذا تعاركوا مع أحد يخرج الرجال والنساء والأطفال عن بكرة أبيهم وتشتعل المعركة ويحمى الوطيس فويلاً لمن كان الضحية، قد تحسبوني أبالغ في نقل الصورة، لكن والله هذا ما كان يحدث في تلك الأيام وقد لحقت على الكثير من تلك المضاربات واشتركت في اثنتين منها على ما أذكر. كنا عندما نريد شراء الخبز من حارة الجودة نذهب سوياً مع مجموعة من شباب الريان ومعنا المفكات والسكاكين وجنازير السياكل ونشتري الخبز بكل حذر وعادة يكون وقت شراء الخبز هدنة بين جميع الأطراف وتتوقف أعمال القصف ويقل خرق الهدنة إلا ما ندر ولم يفرض علينا حصار اقتصادي في أية لحظة من قبل قبيلة الجودة لظروف انسانية على ما يبدو. في يوم من الأيام كان معي أخي الذي يصغرني سنا، وهو الآن تاجر كبير جداً في أمريكا يحصد ملايين الدولارات من عمله في مجال الإنشاءات في ولاية كلورادو وتعدت ثروته ثروت أبي في وقت قياسي، كنا عائدين متأخرين بعض الشيء صباح الجمعة فلاحظ أخي وجود بعض أطفال الجودة مندسين خلف أحد السيارات فصاح بأعلى صوته "كمممممممممممين" فعدونا للمنطقة الخضراء لننفذ بجلودنا حتى أنا سبقنا ظلنا من سرعة العدو، وأنا أرفع سروالي من الخلف لأني ضعيف جداً وأخي يرفع سرواله من الأمام لأنه بدين بعض الشيء، وعندما وصلنا لحدود المنطقة الآمنة شاهدنا المرحوم "غازي العشي" فسقط على ظهره من الضحك علينا وفضحنا في الحارة أمام أصدقائنا وقال "كان واحد يرفع سرواله من قدام والثاني من من ورا ومرعوبين وهم يجرون"، "غازي العشي" توفي لاحقاً في حادثة قصر أفراح الطائف الشهير الذي سقط على النساء عندما دخل لإنقاذ الأطفال والنساء وبعد أن أنقذ أكثر من عشرين نفس سقط عليه الجدار وتوفي رحمه الله . كذلك أذكر مرة تعاركت مع واحد اسمه "القرص" مشهور بالقوة والشجاعة والغباء بنفس الوقت، وهو من عائلة الحربي في حارة الريان، وهنالك أكثر من عائلة نسبها الحربي في حارتنا ، جميعهم يتحدثون اللهجة المصرية ، أزيك، أخبار الحقة ايه، يا راقل وإذا قعدت عندهم ساعة أو ساعتين وجيت ماشي يقولن لك "ما تشرب الشاي، الشاي ع النار (والنبي) ع النار" ، يعني كلام مصري مية في المية، بس أصلهم سعوديين عاشوا في مصر أيام العدم وعادوا للسعودية أيام الملك سعود. القرص هذا لم جيت أتخانق معاه طلعت المفك من جيبي و يازعط كنت ناوي أضربه على كتفه، قسم بالله يا جماعة الخير مسك المفك وبيد واحدة من غير ما يستخدم اليد الثانية كسر المفك بين أصابعه وقالي وش رأيك الحين يا أبو ندم؟؟؟!!!، والحمد لله قبل ما يهبدني بيديه الأخرى إلي مثل الصبة طلع أبوه من بيتهم وقال "تعال يا حمار يابن الحمار عامل راقل على عيل صغير ادخل قوى البيت يا ابن الك،،،،،،خخخ". القرص هذا لم يهجده أحد ويكسر عينه سوى ابن عمه عبد المنعم، إلي كان عنده سيارة كورلا غريبة صفراء تفحط من الكفرات الأمامية عكس جميع السيارات وفي البيبان الداخلية يعلق صور جميع الممثلات من فاتن حمامة وسميرة توفيق والهام يونس وشريفة فاضل.

وفي لندن لم أتعرض لمحاولة سرقة أو اعتداء رغم طيشي في السير في الأماكن الخلفية من الشوارع طوال السنة والنصف سوى مرة واحدة، فقد كنت قادماً من عند صديق في شارع اسمه موسكوس رود، يتفرع من عند محل البيتزا إلي في الكوينز واي، مقابل ماكدونالدز الآن (كان برقر كينق في السابق). كنت أسير من الاتجاه المعاكس لماكدونالد، وخارج البار كان يقف شاب انجليزي أصلع الرأس وأبهص الوجه وأطول مني بقليل وعليه صحة ماشاء الله تبارك الله، سلم علي بلقافة وقال وين رايح، رديت عليه السلام وقلت مهو شغلك وين رايح، وعلى طول تحولت نظرته نحو جيب بنطلوني إلي فيه المحفظة، وقال تعطيني فلوس وإلا ما خليك تمشي من هنا، فلوسك أو حياتك!!!!، وبدون مقدمات أعطيته لكمة في وجهه بدل المحفظة وجيت بعطيه لكمة أخرى قبل أن أهرب من المكان أو يأتيه المدد من داخل البار، لكنه ترنح بسبب الضربة وبسبب إنه سكران طينة، وحطيت رجلي وما وقفت إلا لما وصلت عند أنوار المطاعم في الكوينز واي.

أعود لكم لحكاية الأندرقراوند في تلك الليلة، فلله الحمد لم أركبه وأكملت طريقي سيراً وأخذت عشاء من مطعم يوناني وأتذكر وجبة العشاء إلى الآن واسمها "كلفتكو". في اليوم التالي قرأت صحيفة الاستندارد، ويا للمفاجئة، فقد اشتعل حريق كبير ليلة البارحة في محطة الأندرقراوند في أكسفورد ستريت في الساعة التاسعة والنصف، وهو نفس الوقت الذي كنت أنوي ركوب الأندرقراوند فيه ومات في تلك الحادثة المأساوية عشرة أشخاص، وكان سبب الحريق هو عقب سجارة أحد الركاب كما بينت التحقيقات اللاحقة، لذلك منع في تلك السنة التدخين في القطارات الأرضية بسبب تلك الحادثة. حمدت الله أن نجاني من ركوب القطار في تلك الليلة المشئومة وأطلعت أخي على الخبر في الصحيفة وأخبرته كيف أني غيرت رأيي في آخر لحظة وكيف نجاني الله بأن لا أكون كباب نديم.



ساعة سميرة توفيق
أتيت مبكراً في أحد الأيام لزيارة أخي، وعندما دخلت في بهو الدور الأرضي لمحت الفنانة سميرة توفيق جالسة وحيده في البهو، فغيرت من اتجاهي وتقدمت نحوها مباشرة وبدت لي جميلة وجذابة كما عهدتها منذ صغري، كانت ريانة العود بشكل يضفي عليها نوعا من الفخامة والوجاهة الملوكية، وترتدي فستانا خلابا زادها أنوثة وروعة أساسه أبيض ومحلى بصور لأوراق شجر برتقالية وصفراء اللون وأخرى وردية جذابة وحذاء بكعب متوسط كأنه مفصل على نفس لون الفستان، لن أتحدث عن نحرها ولا رقبتها لكي لا أقع في المحظور، بل أكتفي بوجهها الوضاح وحبة الخال الشهيرة وشعرها الأسود كسواد الليل المنسدل على عاتقها العريض وكحلها البدوي الذي أجزم أن ألف انجليزي قد بصق على زوجته عندما رآها في ذلك اليوم. أكمام فستانها كانت قصيرة فبدت يداها المكتنزتان جميلتان تأسر الألباب خاصة عند النظر لمعصمها الذي يزينه ساعة براقة ماركة BOUCHERON. حييتها وقلت لها سلامات يا ست الكل أنت تزورين أحد هنا أم تراجعين المستشفى، ردت بابتسامة مفعمة بالأنوثة وممزوجة بعطف الأمومة، الله يسلمك، بعيد عنك معدتي تعبانة بعض الشيء، صار لي شي شهر ما بوكل إلا طعام مهروس، وبعمل فحوصات هون والشفا من عند ربنا. قلت سلامات والله، بس بصراحة إلي يشوفك يقول الناس كلهم عليلين وأنت الوحيدة الصحيحة، قالت شايف كيف، أنا بخبي آلامي داخلي، ضحكنا سويا ولم أتمالك نفسي وسألتها لما رأيت بساطتها وانفتاحها في الحديث، أش الذوق الراقي يا ست سميرة!! ساعتك جميلة كثير، قالت مقدمة والله، "بلهجتنا يعني تأمر عليها، أو تفداك"، هي الساعة أخذتها من هارودز أمس، أنت أول واحد تعجبه، قلت أكيد عليك بتطلع حلوة "القالب غالب يا ست الكل"، كانت الساعة مرصعة بالألماس واسمها BOUCHERON. لم ألبث أن ودعتها بعد أن تمنيت لها الشفاء وصعدت نحو غرفة أخي وبعد ما سلمت عليه وجلست معه بعض الوقت رجعت للصالة الخارجية وانتظرت الضيف العزيز إلي بيكون جارنا في المستشفى لمدة أسبوعين قادمين، بعد لحظات سمعت واحد يقول WHATS UP … WHATS UP…... WHATSUP، نظرت لمصدر الصوت وإذا بي أرى رجل صعلوك رأسه ممغوط للأعلى ودقيق من الأسفل ويتشكل مثل حبة الفول من الأعلى، لكن عندما ركزت على ما يقول، أدركت أنه لم يكن يقول تلك الكلمة الانجليزية بل كان يقول، "وسع، وسع" يعني "درب، درب"، أي أفسحوا الطريق، ويا للجهالة، كان يوجه كلامه للممرضات الانجليزيات إلي في الطريق لكي يفسحوا الطريق لسمو الأمير الذي كان يمشي الهوينى خلفه وبدا لي أنه طويل القامة وفي نهاية الأربعينات من عمره وسيم ومصفف شعره بعناية ويرتدي بدلة أنيقة بنية اللون وكرفته من نوع البوبيون التي تربط كورده في أعلى القميص ويرافقه نحو ثلاثة أشخاص وسرعان ما دلفوا إلى داخل الغرفة المقابلة لنا. جلست بعد ذلك وأنا أقرأ كتاب لعبد الله القصيمي أضن اسمه "العرب ظاهرة صوتية" واضعا قدمي اليمنى على اليسرى

حدثت جاكو عن سميرة توفيق وعن ساعتها الجميلة في نفس الليلة، فتحمست جاكو للذهاب إلى هارودز والسؤال عن الساعة BOUCHERON، وفعلا ركبنا اليوم التالي الأندرقراوند من محطة البيزووتر وتوقفنا عند محطة هاي ستريت كنجنستون التي تبعد نحو 500 متر عن هارودز، وبحثنا عن الساعة حتى وجدناها في شباك أحد البوتيكات داخل المتجر العريق. دلفنا للمحل ورحب بنا البائع الأنيق ترحيبا ملوكيا، يحسبنا المسكين من زبائنه المترفين. سألنا عن الساعة فأجلسنا على مقاعد وثيرة وطلب لنا قهوة وكعكا لذيذا وأحضر مخدة سوداء جميلة مخملية بلون القط الشيرازي ولبس قفازات من حرير"لزوم النصب الراقي" ونحن ننظر لبعضنا البعض بزهو وضابطين دور أولاد الأكابر، ثم أتى بالساعة ووضعها بعناية فوق المخدة التي لو نمت عليها من طراوتها لما استفقت بعد مئة عام. بعد ذلك أضاء أربعة أنوار صغيرة موجهة نحو الساعة، وطفق يشرح لنا نحو ربع ساعة عن عدد الألماسات المطعمة بها الساعة ومن صممها وكم من الوقت استغرقت صناعتها ومن هو أباها وجدها وقبيلتها، ونحن نشرب القهوة بكل ثقة وهدوء ولم يبدو علينا الاستعجال أو أننا تورطنا بالسؤال، ثم أخبرنا بالمفاجأة الكبرى وهو سعر الساعة وكان 77 ألف باوند إسترليني فقط لا غير، يعني أكثر من 330 ألف ريال سعودي بسعر تلك الأيام، الآن بالتأكيد السعر أعلى بكثير. زطينا آخر قطعة من الكعك اللذيذ وأخبرناه بأننا سوف نفكر في الأمر "ونكلم دادي" ثم نعود له قريبا جدا وأعطيناه أرقام هواتف المستشفى خخخخخخ لأنها أول أرقام بدت لي عندما طلب المعلومات الخاصة بنا للاتصال للتأكد مما سنقرره لاحقا عندما نشاور داددددددددددددي، هيهيهيههيهيهيه يا دادي إلي بيدفع 330 ألف في ساعة ونص والحسابة بتحسب. يبقى قابلنا يا حبيبي، أنا لاقي أحلق عشان أشتري ساعة ب 330 ألف ريال، بس والله تستأهلين أكثر يا سميرة توفيق ومثل هالساعة ما صنعت إلا للناس إلي مثلك إلي يستاهلون كل غالي ونفيس.




بريصة الأصفاني والأمير تركي الثاني
كما ذكرت لكم في حلقة سابقة فقد أدخل أخي إلى عيادة هارلي ستريت كلينك لتردي حالته وتم تنويمه في الطابق الثالث في الغرفة رقم 333, وهذا الطابق خاص للمرضى الفي آي بي، واستمر تنويم أخي مدة ستة أشهر متواصلة، وكانت فاتورة المستشفى لوحده 500 ألف جنيه إسترليني دفعها جميعا الأمير سلطان بن عبد العزيز شفاه الله، وجعلها شفيعا له يوم القيامة. وهارلي ستريت عبارة عن شارع يقع في وسط لندن خلف محلات دبنهامز في اكسفورد ستريت ويمتد حتى شارع بيكر ستريت بالقرب متحف الشمع من الجهة المقابلة، وتشير السجلات التاريخية أنه في العام 1860، قبل نحو مئة عام من إنشاء "وزارة الصحة البريطانية إن إتش إس" كان يوجد في الشارع نحو 20 عيادة طبية، والآن وصل عدد الذين يعملون في المجال الطبي في الشارع نحو 3000 شخص. في تلك الأيام كان الشارع مليء بالعرب المحولين للعلاج فترى الكثير من المشاهير العرب وغيرهم من المرضى البسطاء الذين يتلقون العلاج في عيادات الشارع الشهيرة. كان اسم الطبيب الذي يشرف على علاج أخي الدكتور قولد مان، بريطاني الجنسية ويهودي الديانة ويعد أحد أفضل ثلاثة أطباء في العالم في علاج مرض اللوكيميا، أما الممرضات اللاتي يعملن في المستشفى فهن من أطيب وأرق ممرضات عرفتهن في حياتي في طريقة تعاملهن الإنساني مع المرضى، فهن يغدقن الحنان على المريض ويؤدين عملهن باحترافية عالية. أما بالنسبة للميزانية التي كنا نتمتع بها أثناء فترة العلاج في المستشفى فقد كانت مفتوحة على مصرعيها، لدرجة أنا كنا نطلب بجانب العلاج المكلف، ألذ أنواع الطعام من مطاعم لندن الشهيرة الإيطالية واللبنانية والفرنسية والصينية وكله على كله، بس أهم شيء نطلب عن طريق المستشفى، كما لم ننس أن نحلي بعد كل وجبة طعام دسمة بالأيسكريم أو الكيك أو الحلويات اللندنية المترفة وجلها تجلب لنا من سلفردجز لأنها حذفة حصى من المستشفى، وكله من خير الله ثم خير أبو خالد الله يشفيه يا رب. لذا رجعت حليمة إلى عادتها القديمة فازدادت حركة رجل الزوار للمستشفى لزيارة أخي، فلم نفرق بين اللوعى على حالته من الجوعى، فاتفقت مع العاملين في المستشفى على عدم تقديم أكثر من الشاي للزوار حتى لو طلبنا أمامهم غير ذلك.

في المستشفى كانت هنالك ممرضة دبدوبة جميلة لونها وردي ووجها طفولي بريء وخدودها حمراء قانية، حبوبة تتكلم بصوت خافت جدا لا يكاد يسمع واسمها "دبي" سبحان الله دبة واسمها دبي، دبي بكسر الداء والباء وليس بضمها أحسن شي بسميها "ديبي" عشان لا تتلخبطون مع مدينة دبي. مع مرور الأيام ومن طيبتها أصبحنا نتعامل وكأننا نعرف بعضنا منذ سنوات عديدة، وصرت أحب أن أمازحها وأخبل فيها وأجننها فأمسك خديها وأشدهما بقسوة، مثل ما عمل حسين الجسمي مع حليمة بولند، لكي أزيد من حمار خديها، كانت تستلطفني كثيرا وتحب بدورها مشاكستي طوال الوقت، وعندما أزور أخي، وبالرغم من أن أنه متشدد دينيا، إلا أن من طيبتها وقبولها لدى كل من عاشرها، كان يخبرني ويقول "ترى ديبي تسأل عنك من الصبح!! شفها في غرفة الممرضات أزعجتني كل شوي داقه الباب علي" كنت أجلب لها معي الكثير من الهدايا والكاكاو الذي تحبه كثيرا من هارودز خاصة كاكو اسمه Mozart-Herz’l.

أمام غرفة أخي توجد صالة منيفة تتوفر فيها العديد من المقاعد الوثيرة، وعندما ينام أخي أجلس فيها طويلاً حتى لا أزعجه وأقوم بقراءة بعض الكتب أو استقبل بعض ضيوفه في الخارج وأصرفهم بعد ما يشربون كاسة الشاي فقط لا غير. في أحد الأيام أخبرتني "ديبي" أن أحد الأمراء سوف يتم تنويمه في الغرفة المقابلة لنا وأنهم سيصلون الساعة الثانية ظهرا ومسترخي آخر استرخاء انتظارا لما ستحبل به الأيام من مفاجاءات من ضيفنا العزيز القادم لتوه، وفجأة خرج نفس الشخص بتاع "وسع، وسع" ودنى مني إلى أن وقف فوق رأسي وتفرس بي لبعض الوقت ثم حول نظراته الخائبة نحو الكتاب الذي أقرأه، وتفرست فيه بدوري فبدا لي لون بشرته أبهصا كلون البرص (يسمى الوزغ أو أم صالح، حسب التساهيل) ومليء بالنمش كأنه نمل يمشي على وجه، وحدقتا عيناه قريبتان من وسط أنفه لتزيده دمامة على دمامة، أما شعره فأحمر ومجعد كسلك غسيل الصحون، وبدون مقدمات ولا تحيات، قال نزل رقلك الأمير قاي، لم أرد عليه واحتراما للأمير غيرت من جلستي وعكستها فوضعت اليسرى فوق اليمنى في الاتجاه الآخر، ثم عاد وقال لي نزل رقلك التانية، ما ينفعش كدا، ثم أردف بتمادي، بلاش الكتاب ده دي الوقت، وكان حديثه أثناء خروج الأمير الذي جلس قبالي في المقاعد الموجودة خارج غرفته. عند هذا الحد قلت له يا محترم، ممكن تحل عن سماي،،،،،،الصراحة قلت له كلمة ما أقدر أكتبها الآن، عشان كذا من هول المفاجأة فتح فمه بابتسامة يائسة وكأني أعطيته كف على قفاه، وسبحان الله، عندما فتح فمه كان أشبه بحمار يستعد للنهيق، ففي البداية فتح فمه فظهرت أسنانه الأمامية المطعجة، ثم ازداد فمه اتساعا فظهرت نواجذه وضحك بصوت متقطع أقرب للنهيق، فرميت الكتاب جانبا ودفعته من منكبه واتجهت لسمو الأمير تركي وحييته وتحمدت على سلامة أحد أفراد أسرته المنوم في المستشفى. كان سموه لطيف للغاية وبادلني السؤال عني وماذا أفعل هنا، فحكيت له الأخبار بالتفصيل، وسأل إن كنت في حاجة لشيء فشكرته على لطفه. كان "بريصه الأصفهاني" يراقب حديثنا وهو يتلون مثل الحرباء كلما نظرت إليه رأيت شكله يختلف عن النظرة الأولى، وانضم إلينا في الحديث وكنت قد وصلت للحديث مع سموه عندما سجلت في الكلية العسكرية بالرياض وكيف أني لم أتمم دراستي بالكلية حتى أرافق أخي، فشاركنا بالموضوع، وقال الحمد لله إنك ما سجلت "اصلو أنا لما كنت في الكلية الحربية بتاعتنا كنت بنط من فوق النار، وأزحف من تحت الرصاص، والطلاب بقى كلهم يغمى عليه من التعب، إلا أنا، دا الوزير كان بيقولي بس يا بريصه، بس يا بريصه، وأنا أقوله سيب يا وزير، سيب يا وزير دنا حكمل المشوار لحد ما أصل سينا" نظرت لسمو الأمير ورأيته يضحك من كل قلبه على الأراجوز بريصه وعرفت الآن وظيفة بريصة بالضبط، فهو لم يعدو سوى أرجوز ومصدر لتوسيع صدر سموه..

في يوم لاحق كنت أزور المريض الذي كان مع سمو الأمير وعندما نويت الخروج أعطاني سموه رسالة في ظرف مغلق لا تحمل أي عنوان، فكرت إنه يبغاني أرسلها بطريقي بالبريد، فتساءلت "نسيت تحط العنوان يا طويل العمر؟!"، ضحك وقال لا هذي الرسالة لك حط عليها عنوان بيتك، خخخخخخ.. خرجت وبريصه يراقبني وفشخ فمه فشخة بدون صوت، كتامي هذه المرة وكأنه فقد القدرة على الكلام, وذهبت من فضولي لدورة المياه وفتحت الرسالة وهالني ما رأيت في الرسالة، كانت محشوة برزم جنيهات من فئة الخمسين باوند، حسبتها فطلع المجموع خمسة آلاف باوند، وأدركت عندئذ بأنها هدية من سمو الأمير، رحت طاير لأخوي وقلت له تعال شوف الأمير أعطانا هديه خمسة آلاف باوند، يا كثر الفلوس إلي عندنا الحين وصرت أقوله مثل سعد الفرج "بسنا فلوس، بسنا فلوس"، البطانية في مخزن الشقة انترست فلوس، والحين خمسة آلاف، يا ساتر، بيد أن أخي لم يكترث للفلوس وأبدا عدم رضاه وأعطاني مثل لم أنسه للأن "أعطى الأمير ما لا يملك إلى من لا يستحق"، قلت شلون يعني نردها له، والله فشيلة ما أقدر، أصلا لو شفته كيف فرحان وهو يعطيني كأنه هو إلي محصل المبلغ، رد علي وقال ماني ما خذ منها شي أنت بكيفك، رجعت وقلت مافيه إلا بريصه الأصفهاني هو إلي بيحلها، استنيته لما طلع وناديته بريصه، بريصه، تعال أبيك بخدمة، تقدر تساعدني وترد الظرف لسمو الأمير وتعتذر منه إنا مقدرين له كرمه بس لو يعطيها أحد يستحق أكثر منا يمكن أفضل، ابتسم بريصه ابتسامته المعهودة لكن بصوت أقرب لفحيح الأفعى هذه المرة، الظاهر لكل حالة عنده نغمة خاصة في الضحك، وقال "برافو عليك يا واد يا نديم، أنت كدا عشرة على عشرة، حتكبر كتير أقوي في عين الأمير، ويعرف إنك مش بتاع فلوس"، قلت الحمد لله طمنتني والله خفت إنه بيزعل منا إذا رديناها. وبينما أنا أتحدث مع بريصه عن ترجيع الفلوس وإذ بمفرزة من قوات الشرطة الخاصة المسماة سكوتلانديارد تسرع نحو الباب الذي يوجد به المريض من عائلة سمو الأمير فتدفع الباب بعنف وأنا وبريصه نرقب المنظر بدهشة كبيرة ، حاول بريصه من هول الصدمة والخوف أن يتسلل بخفة ويلوذ بالفرار وسط الزحمة والربكة فدعست على قدميه حتى لا يتحرك ولاحظت أحدى الشرطيات أنه يحاول الهروب وقالت له YOUARE GOING NOWHERE ، أي إبق مكانك ولا تغادر البتة. كان يبدو على سمو الأمير الهدوء التام وهو يضع رجلا على رجل ولم يتحرك من مكانه ولم يعلق على الطريقة المشينة التي داهمت بها الشرطة غرفة المريض في المستشفى، وكان في تلك اللحظات السفير المصري متواجدا لزيارة سمو الأمير في نفس الغرفة، فقام من مكانه وعرف بنفسه واستنكر الذي يجري، رد عليه الضابط بأن هذا موضوع لا يخصه من قريب أو بعيد كسفير، وأوضح الضابط بأن هنالك بلاغ بوجود أسلحة خطيرة في هذه الغرفة، ابتسم سمو الأمير وأخرج لهم بهدوء الهدية التي أتى بها لأبنه وهي عبارة عن لعبة رشاش تفحصها البوليس بدقة وهم في غاية الإحراج فاكتشفوا الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه واعتذروا بأشد أنواع الاعتذار ولم يسلموا من تقريع السفير المصري الشديد لهم، وعند هذه النقطه هاج وماج بريصه بعدما شعر بالأمان وقال سبهم لي يا سمو الأمير دنا حخرب بيتهم، إزاي يتقرأو يعملوا كدا هي سايبة وإلا سايبة، أنا حا أخذ حقك منهم، دنا هرد لهم الاهانة الي ما ينسكتش عليها، قاله الأمير بكل برود انثبر، رد بريصه "حأنسبر إن شاء الله.

وفي اليوم التالي شرح لي بريصة خلفيات القصة وهي أن الممرضة الخاصة بهم والتي كانت تستلم بخشيشا 200 جنيه كل صباح، لاحظت الهدية التي أحضرها سمو الأمير لابنه فحسبت أنها رشاش حقيقي فبلغت البوليس، وكانت تلك السنة هي السنة التي قتلت فيها الشرطية البريطانية ايفون فليتشر اثناء مظاهرة امام السفارة الليبية في لندن برصاصة قالت السلطات البريطانية وقتها أنها أطلقت من داخل السفارة الليبية والتبس الأمر على الممرضة التي كانت تشك في كل العرب ولا تفرق بين ليبي أو سعودي أو مصري.

عرفت بريصه على أخي المريض لعله يسري عنه بنكته المتواصلة وبشلخاته التي تهتز لها الجبال وعندما رآه أخي يضحك بطريقة غريبة وكأنه ينهق وينقطع نفسه شك بأن به مس من الجان وقال له سوف أرقيك لعلك تشفى يا بريصه، ما قولك؟، أجاب بريصه، لك ما شئت يا مولانا وسلم ناصيته لأخي وبدأ يقرأ عليه المعوذات وينفث عليه ضاغطا على ناصيته وقابضا على شوشته الحمراء في نفس الوقت، ويبدو لي أن أخي قد ضغط عليه أكثر من اللازم، فتضايق بريصه وبدأ يتململ ذات اليمين وذات الشمال وتصدر عنه حشرجة وكأنه يريد أن يعض يد أخي التي تسحب شوشته، فحسب أخي أن المارد هو الذي يتململ وأنه سوف يخرج لا محالة، فقال أنطق، تحدث قل من أنت، من أنت، أنطق،،،،أنطق أيها الجان، لماذا تلبست بعبد الله بريصه الأصفهاني، حلفتك بالله أن تنطق فمن أنت، رد بريصه المسكين بصوت يكسر الخاطر، أنا بريصه يا مولانا...خخخخخخ، فضرب أخي صدره بقفا يده ونفث في صدره وقال داوم على الأذكار تشفى بإذن الله يا بريصه. عدنا على المقاعد وتمدد بريصه وهو يتنفس الصعداء، وسألني إيه الأذكار يا عم نديم، وشرحت له أذكار الصباح والمساء، قال مش لما نصلي بالأول، قلت له يعني ما تصلي يا بريصه، حسبي الله عليك، الله يهديك بس. نام أخي قرير العين بعد أن قرأ على بريصة وأتت "ديبي وتطمنت على المغذي والأدوية المحقونة بوريده، وغطته بالبطانية وأتت عند قدميه وغطتهما وكان فوق قدمي أخي تلفاز معلق بالسقف يرتفع نحو نصف متر فوق رجليه وبعدما انتهت "ديبي" من تغطية قدميه رفعت جسمها وانتصبت فاصدم رأسها من الخلف بالتلفاز وهوت مغمى عليها فتلقفتها بين يدي ومددت جسمها على الأرض وحاولت أن أعطيها إسعاف لإنعاش القلب والتنفس CPR، سريع تعلمته في ثانوية الخليج في الدمام!!! ،،نعم،،، نعم،،، شكلي قلت شيء غلط، معقولة في ثانوية الخليج، قصدي في مدرسة اللغة الانجليزية في لندن، ولاحظت بريصه يتسلل بخفة من خلفي وتوقعت أنه يريد الهرب مرة أخرى فحنقت عليه كيف يتركني هذا الأرجوز في هذه اللحظات العصيبة. لكن بينما أنا مشغول بإعطاء "ديبي" قبلة الحياة انفجرت ضاحكة في وجهي وكأنها هي التي خرج منها المارد وليس بريصه، كانت تضحك لأن بريصه الحمار عندما تسلل من خلفي ذهب مباشرة للهاتف ودون إحساسي به لهول الموقف واتصل بالطوارئ 999 وطلب سيارة إسعاف ولما سألته الشرطة عن العنوان أعطاهم عنوان المستشفى، يعني بريصه حبيب قلبي كان يطلب إسعاف يجي على عنوان المستشفى عشان نركبه ونأخذ لفه على الكورنيش وبعدين نرجع لنفس المستشفى لتلقي العلاج!!!!!! ، لكنه بغبائه الشديد كشف خطة "ديبي" الجهنمية من حيث لا يدري، فهي لم تكن مغمى عليها حقيقة، ولكن عملت التمثيلية لحاجة في نفسها، بيد أن حظها العاثر أوقعها مع بريصة المشئوم.

بعد أن أنهى مريض بيت سمو الأمير فترة العلاج في المستشفى خرجوا بالسلامة فودعتهم وحزنت والله لفراقهم لأنهم ملئوا الجو حركة في المستشفى وآنسوا وحشتنا وبيني وبينكم حبيت بريصة من كل قلبي وحسدت الأمير على وجود رجل مثله معه يسري عنه بعفويته ونصبه وضحكته الحمارية. وعندما غادر الأمير ودعني بكلمات رقيقة ولهول المفاجأة أعطاني رسالة جديدة وهو يضحك وقال أنت عارف العنوان زين المرة هذي صح،،،ترددت وقلت صح يا طويل العمر شكرا لك من أعماق قلبي، وأسرعت إلى نفس التواليت وفتحت الظرف وحسبت الفلوس الموجودة وجدتها 8 آلاف جنيه هذه المرة، أكثر من المرة الأولى، حسبي الله عليك يا بريصة الأصفهاني شكلك لطشت الخمسة ألاف باوند وما رجعتهم للأمير.