الحنش
11-08-2011, 07:07 PM
كان المشهد حزيناً ومثيراً للشفقة في الوقت نفسه. كان مؤشراً إلى نهاية نظام وليس مجرد نهاية بائسة لرئيس عربي آخر.
ما يتبادر الى الذهن لدى متابعة وقائع الجلسة الأولى من محاكمة الرئيس حسني مبارك ونجليه علاء وجمال تعليق تردده هذه الأيام شخصية سياسية يمنية. تقول الشخصية التي تتمتع بذكاء حاد: «رحم الله امرءا عرف قدر عمره» وذلك تحويراً للقول العربي المأثور: «رحم الله امرءا عرف قدر نفسه فوقف عنده».
من الواضح أن حسني مبارك ينتمي إلى اولئك الرؤساء الذين لم يعرفوا قدر عمرهم، فكانت تلك النهاية الحزينة التي لا تليق به وبأفراد عائلته، كما لا تليق بمصر وعظمة مصر وثورة مصر التي كان يفترض أن تتصرف في مرحلة ما بعد مبارك بعيداً عن الانتقام والتشفي. أوصل حسني مبارك مصر التي حكمها طوال ثلاثين عاماً إلى ما وصلت إليه، فكانت النتيجة أن تحول ضحية من ضحايا نظام لم يعرف كيف يطور نفسه بمقدار ما أنه غرق في وهم أن مصر دولة مهمة. نعم، مصر دولة مهمّة. لا يختلف اثنان على ذلك. لكنّ الكلام عن أهمية مصر يبقى مجرد كلام نظراً إلى أنّ مصر لم تهتمّ بأوضاعها الداخلية منذ فترة طويلة. كان المحيطون بمبارك يعتقدون أن لمصر دوراً إقليمياً، بل عالمياً، وكانّ الكلام عن هذا الدور يبدو كافياً ليتصرف هؤلاء وكأنّ الدور موجود فعلاً غير مدركين أن مصر فقدت حتى أي تاثير أو نفوذ في السودان، حديقتها الخلفية، منذ ما يزيد على عقدين!
أين كان سقوط حسني مبارك؟ من يتطلع إلى معظم الأشخاص الذين كانوا يحيطون به يكتشف أن الرجل لم يكن يعرف الكثير عن الناس وحتى ما يدور داخل مصر نفسها والمنطقة التي تقع فيها.
كان كلّ همه محصوراً في التعاطي مع متزلفين كانوا يقولون له ما يحب أن يسمعه من نوع السيد صفوت الشريف الذي كان يعتقد أن ظهور مبارك من دون شعرة بيضاء في رأسه أهم بكثير مما سيقوله «الريّس» في هذه المناسبة الوطنية أو تلك. ومن يستعرض أسماء معظم الصحافيين العرب الذين كان يستقبلهم حسني مبارك في الأعوام العشرين الأخيرة، يجد أنه كان لا يحب سوى الأغبياء أو صغار المنافقين.
احتكر حسني مبارك، بفضل المحيطين به تجميع الإعلاميين البائسين الذين كانوا يسيئون إلى مصر. لم يدرك أهمية الإعلام الذكي المؤثر يوماً. ورغم من كل الملايين التي كانت تذهب إلى المؤسسات الحكومية من تلفزيون وصحف ومجلات، كانت مصر في عهد حسني مبارك أسيرة جريدة القارئ الواحد التي لا همّ لها سوى إشعار الرئيس المصري صباح كلّ يوم بالارتياح وأن كل شيء على أحسن ما يرام في البلد، وأن مصر «تقود» عملية السلام في المنطقة وأنها حاضرة في كل المحافل وعلى شتى الصعد.
من يتذكر عملية إعادة تركيب تلك الصورة في صحيفة «الأهرام»؟ ظهر الرئيس مبارك، في الصورة الملعوب بها، يسير أمام باراك اوباما والملك عبدالله الثاني والسيد محمود عبّاس ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في حين كان في الصورة الحقيقية، متخلفاً عنهم بسبب بطء حركته وثقلها! لم تجد «الأهرام» وقتذاك ما تغطي به الفضيحة سوى إعلان المسؤولين عنها أن مصر هي الجهة التي «تقود» عملية السلام. من يصدق مثل هذا الكلام يسهل عليه الانتهاء في قفص الاتهام مع نجليه.
مرّة أخرى، تقلّص الدور المصري على الصعيد الإقليمي في اليوم الذي لم يعد للقاهرة تأثير في الخرطوم. متى لا يعود لمصر نفوذ في السودان، من سيصدق أن لديها نفوذاً لدى الفلسطينيين أو حتى في غزة نفسها التي كانت حتى العام 1967 تحت الحكم المصري. تحوّلت غزة ابتداء من العام 2007 «إمارة إسلامية» على الطريقة الطالبانية (نسبة الى طالبان) يتحكم بها المحور الإيراني- السوري وتوابعه في غياب أي ردّ فعل مصري يحسب له حساب. حصل ذلك، على الرغم من أن الأجهزة المصرية كانت تمتلك أفضل المعلومات عن حقيقة الوضع في غزة. انها معلومات لم تكن تجد من يستفيد منها، حتى لا نقول من يستوعبها، في القاهرة.
كان يمكن لمصر أن تتغيّر نحو الأفضل لو عرف حسني مبارك أنه رجل مريض تقدّم به العمر وأنه لا يصح أن ينقل أمراضه إلى مصر نظراً إلى أن عائلته صارت مرتبطة بمصالح كبيرة عليها الدفاع عنها... أو أن زوجته السيدة سوزان كانت تردد «مش عاوزة أكون جيهان سادات أخرى»! ولذلك، كان مطلوباً إيجاد طريقة يخلف بها جمال حسني مبارك والده... أي أن يخلف مبارك مبارك. كان الثمن باهظاً!
لم يحسن حسني مبارك الانسحاب من المسرح السياسي في الوقت المناسب. تماماً مثلما لم يدرك حافظ الأسد أنه لا يستطيع توريث ابنه الرئاسة في سورية. لم يدر في خلد الأسد الأبّ أن الأجهزة الأمنية لا تبني دولة. أما حسني مبارك، فلم يدرك حتّى ما يدور داخل المؤسسة العسكرية التي لم تستطع الايفاء بتعهد تضمن له بموجبه كرامته بمجرد قبوله التنازل عن الرئاسة. يظل السؤال الأساسي في ضوء ما تشهده مصر هذه الأيّام: إلى أي حدّ اخترق «الإخوان المسلمين» المؤسسة العسكرية؟
نعم، «رحم الله امرءا عرف قدر عمره». ولكن يبقى أن محاكمة حسني مبارك تعكس أزمة عميقة في مصر. ذلك أن المحاكمة، بكل بشاعتها، لن تحل أي مشكلة لدى الشقيقة الكبرى. انها أزمة نظام قبل أي شيء آخر. نظام فاشل قائم منذ العام 1952. كان جمال عبدالناصر يهرب إلى الخارج إلى أن جاءت هزيمة 1967 فانتهى معها. أما أنور السادات فقد هرب إلى السلام مع إسرائيل إلى أن وجد من يغتاله من بين الإسلاميين المتطرفين الذين رعاهم. الآن، بعد الذي حلّ بحسني مبارك، جاء دور طرح السؤال المحوري: أي نظام سيخلف نظام 1952 في مصر؟ ليس حسني مبارك وحده المريض. كشف مرضه كم مصر مريضة بنظامها وغير نظامها وحتى بمجتمعها الذي لا يعرف ماذا يريد... هل مصر مضطرة إلى محاكمة حسني مبارك وهو في سريره من أجل أن تطوي صفحة من تاريخها الحديث، أم أن المطلوب أكثر من أي وقت مواجهة حقيقة من نوع آخر مرتبطة بالقدرة على الإعلان أن النظام الذي نشأ نتيجة انقلاب العام 1952 انتهى وأن هناك قوى تسعى إلى وضع الأسس لنظام جديد ليس بالضرورة أفضل من الذي سبقه.
ما يتبادر الى الذهن لدى متابعة وقائع الجلسة الأولى من محاكمة الرئيس حسني مبارك ونجليه علاء وجمال تعليق تردده هذه الأيام شخصية سياسية يمنية. تقول الشخصية التي تتمتع بذكاء حاد: «رحم الله امرءا عرف قدر عمره» وذلك تحويراً للقول العربي المأثور: «رحم الله امرءا عرف قدر نفسه فوقف عنده».
من الواضح أن حسني مبارك ينتمي إلى اولئك الرؤساء الذين لم يعرفوا قدر عمرهم، فكانت تلك النهاية الحزينة التي لا تليق به وبأفراد عائلته، كما لا تليق بمصر وعظمة مصر وثورة مصر التي كان يفترض أن تتصرف في مرحلة ما بعد مبارك بعيداً عن الانتقام والتشفي. أوصل حسني مبارك مصر التي حكمها طوال ثلاثين عاماً إلى ما وصلت إليه، فكانت النتيجة أن تحول ضحية من ضحايا نظام لم يعرف كيف يطور نفسه بمقدار ما أنه غرق في وهم أن مصر دولة مهمة. نعم، مصر دولة مهمّة. لا يختلف اثنان على ذلك. لكنّ الكلام عن أهمية مصر يبقى مجرد كلام نظراً إلى أنّ مصر لم تهتمّ بأوضاعها الداخلية منذ فترة طويلة. كان المحيطون بمبارك يعتقدون أن لمصر دوراً إقليمياً، بل عالمياً، وكانّ الكلام عن هذا الدور يبدو كافياً ليتصرف هؤلاء وكأنّ الدور موجود فعلاً غير مدركين أن مصر فقدت حتى أي تاثير أو نفوذ في السودان، حديقتها الخلفية، منذ ما يزيد على عقدين!
أين كان سقوط حسني مبارك؟ من يتطلع إلى معظم الأشخاص الذين كانوا يحيطون به يكتشف أن الرجل لم يكن يعرف الكثير عن الناس وحتى ما يدور داخل مصر نفسها والمنطقة التي تقع فيها.
كان كلّ همه محصوراً في التعاطي مع متزلفين كانوا يقولون له ما يحب أن يسمعه من نوع السيد صفوت الشريف الذي كان يعتقد أن ظهور مبارك من دون شعرة بيضاء في رأسه أهم بكثير مما سيقوله «الريّس» في هذه المناسبة الوطنية أو تلك. ومن يستعرض أسماء معظم الصحافيين العرب الذين كان يستقبلهم حسني مبارك في الأعوام العشرين الأخيرة، يجد أنه كان لا يحب سوى الأغبياء أو صغار المنافقين.
احتكر حسني مبارك، بفضل المحيطين به تجميع الإعلاميين البائسين الذين كانوا يسيئون إلى مصر. لم يدرك أهمية الإعلام الذكي المؤثر يوماً. ورغم من كل الملايين التي كانت تذهب إلى المؤسسات الحكومية من تلفزيون وصحف ومجلات، كانت مصر في عهد حسني مبارك أسيرة جريدة القارئ الواحد التي لا همّ لها سوى إشعار الرئيس المصري صباح كلّ يوم بالارتياح وأن كل شيء على أحسن ما يرام في البلد، وأن مصر «تقود» عملية السلام في المنطقة وأنها حاضرة في كل المحافل وعلى شتى الصعد.
من يتذكر عملية إعادة تركيب تلك الصورة في صحيفة «الأهرام»؟ ظهر الرئيس مبارك، في الصورة الملعوب بها، يسير أمام باراك اوباما والملك عبدالله الثاني والسيد محمود عبّاس ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في حين كان في الصورة الحقيقية، متخلفاً عنهم بسبب بطء حركته وثقلها! لم تجد «الأهرام» وقتذاك ما تغطي به الفضيحة سوى إعلان المسؤولين عنها أن مصر هي الجهة التي «تقود» عملية السلام. من يصدق مثل هذا الكلام يسهل عليه الانتهاء في قفص الاتهام مع نجليه.
مرّة أخرى، تقلّص الدور المصري على الصعيد الإقليمي في اليوم الذي لم يعد للقاهرة تأثير في الخرطوم. متى لا يعود لمصر نفوذ في السودان، من سيصدق أن لديها نفوذاً لدى الفلسطينيين أو حتى في غزة نفسها التي كانت حتى العام 1967 تحت الحكم المصري. تحوّلت غزة ابتداء من العام 2007 «إمارة إسلامية» على الطريقة الطالبانية (نسبة الى طالبان) يتحكم بها المحور الإيراني- السوري وتوابعه في غياب أي ردّ فعل مصري يحسب له حساب. حصل ذلك، على الرغم من أن الأجهزة المصرية كانت تمتلك أفضل المعلومات عن حقيقة الوضع في غزة. انها معلومات لم تكن تجد من يستفيد منها، حتى لا نقول من يستوعبها، في القاهرة.
كان يمكن لمصر أن تتغيّر نحو الأفضل لو عرف حسني مبارك أنه رجل مريض تقدّم به العمر وأنه لا يصح أن ينقل أمراضه إلى مصر نظراً إلى أن عائلته صارت مرتبطة بمصالح كبيرة عليها الدفاع عنها... أو أن زوجته السيدة سوزان كانت تردد «مش عاوزة أكون جيهان سادات أخرى»! ولذلك، كان مطلوباً إيجاد طريقة يخلف بها جمال حسني مبارك والده... أي أن يخلف مبارك مبارك. كان الثمن باهظاً!
لم يحسن حسني مبارك الانسحاب من المسرح السياسي في الوقت المناسب. تماماً مثلما لم يدرك حافظ الأسد أنه لا يستطيع توريث ابنه الرئاسة في سورية. لم يدر في خلد الأسد الأبّ أن الأجهزة الأمنية لا تبني دولة. أما حسني مبارك، فلم يدرك حتّى ما يدور داخل المؤسسة العسكرية التي لم تستطع الايفاء بتعهد تضمن له بموجبه كرامته بمجرد قبوله التنازل عن الرئاسة. يظل السؤال الأساسي في ضوء ما تشهده مصر هذه الأيّام: إلى أي حدّ اخترق «الإخوان المسلمين» المؤسسة العسكرية؟
نعم، «رحم الله امرءا عرف قدر عمره». ولكن يبقى أن محاكمة حسني مبارك تعكس أزمة عميقة في مصر. ذلك أن المحاكمة، بكل بشاعتها، لن تحل أي مشكلة لدى الشقيقة الكبرى. انها أزمة نظام قبل أي شيء آخر. نظام فاشل قائم منذ العام 1952. كان جمال عبدالناصر يهرب إلى الخارج إلى أن جاءت هزيمة 1967 فانتهى معها. أما أنور السادات فقد هرب إلى السلام مع إسرائيل إلى أن وجد من يغتاله من بين الإسلاميين المتطرفين الذين رعاهم. الآن، بعد الذي حلّ بحسني مبارك، جاء دور طرح السؤال المحوري: أي نظام سيخلف نظام 1952 في مصر؟ ليس حسني مبارك وحده المريض. كشف مرضه كم مصر مريضة بنظامها وغير نظامها وحتى بمجتمعها الذي لا يعرف ماذا يريد... هل مصر مضطرة إلى محاكمة حسني مبارك وهو في سريره من أجل أن تطوي صفحة من تاريخها الحديث، أم أن المطلوب أكثر من أي وقت مواجهة حقيقة من نوع آخر مرتبطة بالقدرة على الإعلان أن النظام الذي نشأ نتيجة انقلاب العام 1952 انتهى وأن هناك قوى تسعى إلى وضع الأسس لنظام جديد ليس بالضرورة أفضل من الذي سبقه.