تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : «مسلمون في مواجهة الإسلام ... مسيحيون في مواجهة المسيحية»


الحنش
03-08-2011, 06:47 PM
قضية الأنا والآخر من أهم القضايا الإشكالية المعاصرة التي تحتاج إلى وقفات معرفية بحثية خالصة تعالجها وتحللها وتعرض المسببات والحلول المناسبة لها من وجهة نظر نابعة من روح متسامية ومتعالية على الحدود الإنسانية الضيقة، لتنظر إلى آفاق متعددة وتستحضر ماغاب عن العربي وهو يخاطب الآخر، كما هي استحضار ماغاب عن الآخر الغربي وهو يحاور العربي، فنسي أن يتجاوز مركزيته ليتحاور مع إحدى الثقافات التي تنتمي إلى الأطراف. هذه الإشكالية التي سيطرت على المؤلف الجديد «مسلمون في مواجهة الإسلام... مسيحيون في مواجهة المسيحية» للدكتور أحمد بسام ساعي، الذي كانت حياته سعيا دائبا نحو طريق العلم، ونور المعرفة، وتوهج الثقافات المتشابكة تسامحا، والمتعددة محيية ثقافة الاختلاف، ومكملة لجهود معرفية سابقة له تدور حول اللغة والشعر والإبداع العربي، لتحط رحال مرحلته المعرفية لتلتمس واحدة من أهم المعضلات التي تعيق الحوار بين الأنا والآخر تتركز أهمها في فكرة الإلغاء لفكر الآخر أو حتى فهم طريقة تعاطيه للأمور، ومن هنا تتشكل ضرورة وجود حوار إنساني مشترك بين الثقافات المتعددة، فيقول الدكتور أحمد بسام ساعي في مطلع الكتاب محددا هدف الكتاب، وإشكالية طرق الموضوع:
«وبدهي لمن يكتب للآخر أن يضع بحثه بلغة ذلك الآخر، ومع إنني أخاطب بالدرجة الأولى حضارة الغرب فقد وضعته بالعربية وليس بالإنكليزية، ولا بأي لغة أوروبية أخرى، لأنني أردته أيضا، كما قدمت، بحثا تنظيريا في لغة الخطاب يكون بين أيدي باحثينا من العرب والمسلمين، بقدر ما يكون بحثا تطبيقيا، لهم أيضا، في أهم الموضوعات المثيرة للجدل والخلاف بين المسلمين والغرب. ومن الواضح أن العنوان الذي اخترته لبحثي يوحي بأنه موجه إلى المسلمين بقدر ما هو إلى الغرب، فقد أردته نداء إلى الغرب ولكن عبر آذان المسلمين، ومن هنا كانت صعوبة الكتابة. «.(الكتاب11).
وقبل الشروع في هذا الحوار العميق المطروح في مرايا الكتاب، يتعين علينا أولا التزود بينابيع معرفية و طاقة كبيرة من الحيادية في التعامل مع خصوصيات الذات ومتعلقات الآخر فلابد من الانتباه إن الحساسية الدينية والعاطفية القومية لن تصنع حوارا خلاقا. ومن ثم الولوج إلى عالم الكتاب الذي عرض لكثير من القضايا المعرفية بلغة إنسانية عميقة تتسلل إلى الوجدان بغناها المعرفي ورقيها الحضاري سلسة سهلة تلك السهولة الممتنعة، فتقرأ ما تقرأ فتجد الخطاب غنيا في زخمه المعرفي الذي يشتبك وذاكرتك كقارئ نهم فيذكرك بمحطات مهمة من التاريخ الأدبي والإنساني، أما المؤلفة قلوبهم في عالم الفكر والمعرفة فلن ترتطم آليات الفهم والاستيعاب لديه بإشكاليات معرفية نتجت عن ركوب الأبراج العاجية في متاهات المعرفة والفكر، بل سيجد نفسه أسير طاقة معرفية وروحانية عالية تتسلل إلى الفكر المتقد فتزيده اتقادا، وتتولى تفكيك تلك البنى الفكرية المعقدة لدى القراء الذين كبلوا بأغلال أيديولوجيتهم، وعصبياتهم القبلية أو الطائفية والمذهبية لتجعل هذا التشنج الشديد يتبدد مع زخات سيل الفكر والحكمة التي هي ضالة المؤمن، و منجيته من مهالك التعصب المدمر لفضاء التآلف الإنساني الذي بتنا في أمس الحاجة إليه. والذي لا نعلم من قادنا إلى هذا الاحتياج هل هي فبركات السياسة الضالة أم فرط تقدميتنا حياتنا المادية في زمن العولمة قامت بتدمير أواصر اللقاء الإنساني المشترك.
حقيقة لا مراء فيها، إني ذهلت في عالم المعرفة المنسابة بين الكلمات ببساطة تحبب النفس في الاستزادة المعرفية والاستمتاع المفرط في تلك الروح التسامحية التي ألفت الكتاب لتقف بين بوابتين وعتبتين، وحاولت بذل ما بالإمكان بذله لتجسير تلك الفجوات الحضارية، بين ما هو عقلاني مادي تجريبي وبين ما هو عاطفي حميمي أيديولوجي أو ديني أصولي.
يبدأ الكتاب بقصة أحد الطلبة الذي احتج على أحد المحاضرين وهو يطلب من باحثي «مناهج البحث في القراءات القرآنية»، أن يتجرد من مشاعره إزاء النص الديني ويتعامل معه بمنهجية عقلانية بحتة، لينتفض الطالب معترضا على حتى هذه الشهادة التي تؤخذ بهذه الآلية. ولتتوالى الحكايات الإيمانية الأكثر إقناعا والمتوالدة من رحم المعرفة من قبل مؤلف الكتاب ليقنع الطالب أن يغرف بعضا من حكمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يتحاور مع أحد المشركين ويخاطبه بمفاهيمه ومصطلحاته الإجرائية:
«أتذكر واقعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الكاتب يوم معاهدة الحديبية، حين قال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مندوب المشركين سهيل بن عمرو معترضا: وما الرحمن؟ ولم يتردد الرسول صلى الله عليه وسلم في تغيير ما أملاه على الكاتب، فقال: أكتب: باسمك اللهم- وهي التسمية التي كان متعارفا عليها في الجاهلية- هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، فاعترض سهيل مرة أخرى قائلا: لو كنت أؤمن أنك رسول الله ما حاربتك، فقال صلى الله عليه وسلم: أكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله. (الكتاب، ص 8)».
فإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم تجرد اضطراريا من سمة عظيمة شرف بها من أجل إيصال رسالة إنسانية سامية، فمالنا نحن نقبع في أدراج أفقنا الحضاري الضيق؟!
من هذا المنطلق ستكون ماتبقى من عرضنا لهذه الدراسة القيمة منارة لنا وللآخرين في سك وبناء حضارة إنسانية متسامحة وخطاب إنساني مشترك يجمع البشرية ولا يفرقها.