المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقارب الزمان أو امتداده... الشريعة و الفلسفة يلتقيان و يتظاهران


محمد سعيد رجب عفارة
16-11-2010, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

بمناسبة عيد الأضحــــى مبــــــــــــــارك
أتمنى لجميع المسلمين عيدا سعيدا وعمرا مديدا مباركا فيه، يكون بداية لمزيد من صالح الأعمال المقبولة، إن شاء الله تعالى.
و تقبــــّل الله طاعاتكم وغفر لنا و لكم سبحانه و تعالى، إن ربي غفور رحيــــم.
و كل عام وأنتم بخير و صحة وسلامة و رضى من الرحمن بإذن الله.

و بهذه أعتبر مقالي هذا هدية لكل مسلم و مسلمة يبلغه و يقرأه و يستفيد منه إن شاء الله تعالى.
000000000000000000000000000000000000000000000
الدهر و الزمان

منطلق الاجتهاد في أي موضوع،
قوت مناسب من الأحاديث الأهلية.

بداهة يبدو مستحيلا تمييز معنى كلمة الدهر من معنى كلمة الزمان، و كأنهما كلمتان مترادفتان تشيران إلى نفس المعنى، خاصة عندما نقرأ بسطحية كلاما مثل حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه: "قَدْ أصْبَحْنا في زَمان عَنُود، وَ دَهْر كَنُود، يُعَدُّ فيهِ المُحْسِنُ مُسيئاً، وَ يَزْدادُ الظّالِمُ فيهِ عُتُوّاً"
لكن بعد الترو و التدبر يمكن العلم بالمعنى المختلف لك منهما.

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فإِن الله هو الدَّهْرُ"
فمعناه أَن ما أَصابك من الدهر فالله فاعله ليس الدهر، فإِذا شتمت به الدهر فكأَنك أَردت به الله؛ لأَنهم كانوا في الجاهلية يضيقون النوازل إِلى الدهر، فقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك بكم فإِن ذلك هو الله تعالى.
و في حديث موت أَبي طالب: "لولا أَن قريشاً تقول دَهَرَهُ الجَزَعُ؛ لفعلتُ" و الدهر هو النازلة. وهو عرف فيه يتجلى فيه أخلاق الكنود لأن من النعمة من الدهر أيضا.
قال أَبو عبيد قوله "فإِن الله هو الدهر" مما لا ينبغي لأَحد من أَهل الإِسلام أَن يجهل وجهه.
قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:--
"أَلا إِنَّ الزمانَ قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَق اللهُ السمواتِ والأَرضَ"
"إذا تَقارب الزمانُ لم تَكَدْ رؤيا المؤْمن تكذب"
"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كشهر و الشهر كجمعة و الجمعة كيوم و اليوم كساعة و الساعة كاحتراق سعفة"
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و رضي عنه:--
"إذا تغيرت نية السلطان فسد الزمان"
"اَلدَّهْرُ يَوْمانِ: يَوْمٌ لَكَ، وَ يَومٌ عَلَيْكَ، فَإذا كانَ لَكَ فَلا تَبْطَرْ، وَ إذا كانَ عَلَيْكَ فَاصْطَبِرْ "


الزمان أطوار المحدث،
و الدهر قضاء الله تعالى و قدره.
الزمان أطوار المحدث، أي جملة العالم الأكبر أو جزء منه أي الذرة أو مجموعة شمسية، أو مجرة، أو مختصرات العالم الأكبر أي الكائن الحي، المفردات مثل الباكتيريا و الأميبا أو المركبات و هي الشجرة و الحيوان و الإنسان.
الزمان نظام من الأطوار أو الأحوال يخص المحدث، يعيشه و يشعر بحاله، بينما الدهر أمر خارجي.
"أَلا إِنَّ الزمانَ قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَق اللهُ السمواتِ والأَرضَ"
ما شيء غير السموات و الأرض و مخلوق قبلهما و له حركة دوران أو لف؟ قال تعالى: "وسع كرسيه السموات و الأرض"
و استدارة الفلك أو الزمان نظام يعيشه الكون، و ليس أمور خارجه عنه، أي ليست أقدار نعم أو نقم تنزل به.
قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: "إذا تَقارب الزمانُ لم تَكَدْ رؤيا المؤْمن تكذب"، و قال عليه الصلاة و السلام: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كشهر و الشهر كجمعة و الجمعة كيوم و اليوم كساعة و الساعة كاحتراق سعفة".

و تقارب الزمان هو تسارع الأحداث في نفس الانسان و أفقه، النبي لا يتكلم عن شيء خارجي، أي لا يصح الفهم من قوله أن الحركات الثلاث لكوكب الرض مثلا نبض (زلازل و براكين) أو دوران أو لف سوف تزداد سرعة.

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و رضي عنه: "اَلدَّهْرُ يَوْمانِ: يَوْمٌ لَكَ، وَ يَومٌ عَلَيْكَ، فَإذا كانَ لَكَ فَلا تَبْطَرْ، وَ إذا كانَ عَلَيْكَ فَاصْطَبِرْ "
و الدهر يومان دائما سواء تقارب الزمان أو تباعدت أحداثه.

تقارب الزمان و امتداد الزمان معنى واحد
فكرة تقارب الزمان النبوية لا تزال مجهولة غير مفهومة، و جاء الفيلسوف آينشتاين بنفس الفكرة تحت اسم جديد هو امتداد الزمان، و يبدوا أنه بدلا من خدمة الفكرة و توضيحها، قد زاد في غموضها و وهم استعصاءها على فهم الانسان العادي.

مسألة من الفيزياء القديمة: سيارة يمكن أن تقطع مسافة الخمسة و أربعين كيلومترا بين صيدا و بيروت بنصف ساعة، و باص يتطلب لقطع نفس المسافة مدة مضاعفة مرتين أي ساعة.
لكن علم النفس يمكن أن يتدخل و يجعلها من مسائل الفيزياء الحديثة!! كيف؟؟
امتداد الزمان إذا لم يقم علم النفس أو الاجتماع بتوضيحها و تيسيرها للفهم، ستبقى مجهولة و غامضة، بسبب عجز علماء الفيزياء عن شرحها، و ربما بسبب غموضها حتى بالنسبة لهم، أو بسبب ميلهم إلى إثارة دهشة الناس و اعجابهم، و استعلاء شأنهم عن طريق تثبيت و هم صعوبة أفكارهم. لكن احتمال قصور عقولهم و أنفسهم عن فهم فكرة تقارب الزمان أو امتدده بوضوح هو السبب الأرجح.

الموضوع يصير من مسائل الفيزياء الحديثة على أساس العلم بما يلي من حقائق تبدو من المفارقات المستحيلة: بعض ركاب السيارة البطيئة يحتمل أن يشعروا أنها سيارة سريعة، و البعض في السيارة السريعة يحتمل أن يشعروا أنها سيارة بطيئة.

نفترض أن بعض ركاب الباص يقصدون بيروت للنزهة، و أنهم يعتبرون السفر بالباص من ضمن النزهة بسبب بطئه بالذات و أيضا لارتفاعه الذي يمكنهم من الاطلاع إلى مدى أبعد، و سعته و كثرة الرفقة من الناس و الأطفال التي تشبع الجو بالبهجة و الأنس. إن هذا البعض من الركاب ربما شعر بأن حركة الباص يعيبها استعجال سائقه، و ربما نقموا على السائق بسبب امتناعه عن الاستجابة لطلبهم التوقف لشراء بعض المشروبات و الطعام، أو أخذ الصور في بعض المواقع الجميلة.
و بعض آخر ربما كان يريد أن يتعثر الباص بزحمة خانقة مثلا، حتى يتأخر ساعة أخرى زيادة أو حتى أكثر، لسبب معاكس، ليس أنه يقصد بيروت للنزهة، بل بالعكس بسبب كراهته الذهاب إلى بيروت، ربما ينتظره امتحان صعب عليه في إحدى الجامعات، و هو متيقن من الإخفاق و يخفي عن أبويه ضعف استعداده و يريد لو يطول زمن السفر إلى بيروت حتى يمنع المشرفون دخوله قاعة الامتحان ، و بذلك ينقذ نفسه من افتضاح تقصيره في الدرس.
بالنسبة للسيارة السريعة، لا تنعدم الأسباب التي تجعل بعض الركاب يشعرون ببطئها. و ربما نفس الركاب الذي عابوا على سائق الباص البطيء تسارعه، لو وجدت هذه الأسباب عندهم و هم ركاب السيارة السريعة، كانوا سوف يشعرون بأن سائق السيارة متهيب و بطيء السواقة.
خلاصة الكلام في تقارب الزمان و تباعده:-
إن مدة ساعتين يمكن أن تتساوى مع مدة ربع ساعة، بالنسبة لنفس الأشخاص إذا اختلفت أسباب سفرهم من صيدا إلى بيروت.
أي حركة الباص الذي يقطع الطريق إلى بيروت في ساعتين ستبدو عادية أو مقبولة لا سريعة و لا بطيئة لأسباب معينة. و حركة السيارة التي تقطع نفس الطريق في ربع ساعة أيضا ستبدو عادية و مقبولة لا سريعة و لا بطيئة لأسباب معاكسة.

نفس الأحداث في الحلم تأخذ وقتا قصيرا جدا،
مقارنة مع ما تتطلبه من وقت في اليقظة.

من منتديات يا حسين... قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه- : بينما نحن في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه- إذ رأيتُ في المنام كأني أصلي الفجر خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم. فلما فرغنا من صلاة الفجر، خرجت من المسجد، فإذا امرأة واقفة بباب المسجد و بيدها طبق فيه تمر.
فقالت لي: يا علي خذ هذا الطبق وقدمه لرسول الله عليه الصلاة و السلام،
فلما قدمته لرسول الله في المنام وضع يده الشريفة في الطبق وأخذ تمرة فوضعها في فمي، فلما شعرت بحلو طعمها.
قلتُ: زدني تمرة أخرى يا رسول الله.
و لكني استيقظت قبل أن يزدني، استيقظت و مؤذن الفجر يؤذن في مسجد رسول الله عليه الصلاة و السلام، استيقظ علي رضي الله عنه- من المنام، وذهب ليُصلي الفجر خلف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه-.
قال علي رضي الله عنه-: فلما فرغت من الصلاة خرجت من المسجد، فإذا امرأة واقفة بباب المسجد، و بيدها طبق فيه تمر.
فقالت لي: يا علي أعطِ هذا الطبق لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فلما أعطته التمر أخذ تمرة، و وضعها في فمي، فشعرتُ بحلو طعمها.
قلتُ: زدني تمرة أخرى يا أمير المؤمنين.
فقال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه- : لو زادك رسول الله لزدتك.
فتعجب علي بن أبي طالب رضي الله عنه- من قول عمر بن الخطاب و قال: يا أمير المؤمنين أهي رؤية رأيتها أم غيب اطلعت عليه؟!
فقال أمير المؤمنين: ما هي رؤيا و لا غيب، و لكن المؤمن إذا أخلص قلبه لله يرى بنور الله.
نفس الحدث صار في الحلم ثم صار في الواقع، لكن في الحلم لا يتطلب أكثر من بضعة ثوان، أما في الواقع فهو بداهة تطلب وقتا أطول، و في الحالتين كانت وتيرة الحدث عادية، أي صور الحلم لم تكن متباطئة و صور الواقع لم تكن متسارعة.
ما يعنى أن نفس الحدث يعيشه نفس الإنسان، يتطلب مددا من الزمان متفاوته غير متساوية.
قاعدة: كلما شرف الشيء من الانسان كلما كان زمانه أبرك.

الشيء الشريف من الإنسان مبارك الزمان،
إذا اشتد يؤثر و يفعل فيما سواه.

الجزء من الإنسان الذي ينضج و يشتد يستأثر بمعظم الوعي، و يحيل بقية أشياء التكوين الانساني إلى مماثلته، بل أيضا يحيل موضوعاته المقتنيات من أفكار و صور و أموال، و حتى الكائنات غيره. إلى محدثات مباركة الزمان، بسبب توفر القابلية في كل شيء للتسامي.
الزجاج ليس سوى رمل ارتفع، و أيضا الماس هو أصلا كان فحما، و كل شيء معتم قابل للارتفاع أي ليصير قارورة شفافة منفذة للضوء، قال تعالى: "وَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَ أَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا # قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا"، و جسم الانسان من عظم ودم و لحم و شحم قابل للارتفاع، أي قابل لمحاكاة الروح أو النقشة في شفافيتها و احتجابها عن الحس، و النقشة في الفرد من الناس أو الأمة يحدثها الله تعالى تامة من فورها، لا تحتاج للتنامي حتى تتم كالأشياء. و كل رسول هو إمضاء إلهي أو توقيع اسم الله في سقف جماعة الأمة المسمى خليقة، أي سلطان قدرة أو سلطان حجة. قال تعالى في شأن المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام: " إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رَافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَ جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ "، و الرفع إلى الله عز و جل ليس قطع مسافة، بل ترقية حقيقة المرفوع. الله تعالى مستور ممتنع عن الحواس، و الرفع إليه يكون بالستر، و الستر ليس بغطاء، لأن الغطاء ليس مستور، و يخبر عما يحتويه، لكن الشفافية ستر.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و رضي عنه: "تمام البدن إلى 22 سنة، و تمام العقل إلى 28 سنة".

النوى تنفعل لزمان الرسول الأطول آنـًا،
و تثمر بلحا بعد ساعة.
المعجزة ليست خرقا لسنة الله، أو لقانون طبيعي، بل هي فعل جزء من تكوين الولي أو النبي أو الرسول، نظير هذا الشيء الشريف في معظم الناس يكون خاملا، فليس الولي سوى إنسان أنشط ما فيه هو اسم الله المنقوش في قلبة، ما يجعله كله حكما و كأنه اسما إلهيا، و عند استقرار وضع غلبة الاسم في المزاج على حضور خبرات الأشياء الستة من العالمين الملكوت و الملك أي الروح و العقل و الأنفس الأربعة الكلية و الناطقة و الحيوانية و النباتية، و مقتنياتها، يستطيع الإنسان أن يفعل أمورا طبيعية عادية بالنسبة للكلمة التامة أي الاسم الإلهي، تبدو لمعظم الناس خوارق و معجزات.

الرسول كلمة إلهية، و الكلمة الإلهية سواء العالمية أو الجماعية الأممية أو الشخصية التي تخص الفرد من الناس، هو تامة فور حدوثها و لا تحتاج للتنامي، بينما البدن و العقل، يصف تطورهما قول الله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ "، و الذي لا يبدأ وجوده بضعف، لا ينتهي بضعف و شيبة، أي تبقى كلمات الله التامات و رسل الله مستصحبة القوة الدائمة.

زرع رسول الله نوى تمر في فلاة من الأرض، و عندما سأله عمه و متى نأكل منها يا رسول الله، ابتسم الرسول و قال الساعة. و رجع المسلمون فوجدوا النوى قد صار شجرا مثمرا. كما أن النخل مخلوق تاما ابتداء.
هنا الزمان ليس فقط متقارب، بل أكثر إن أحداثه أو أطواره مجتمعة في آن واحد.
و هنا الزمان المجموع ليس فقط إيقاعا يلزم صاحبه فقط، بل يصير زمانا مجموعا متعديا، يشمل غير صاحبه من الكائنات، فيجمع زمانها، أو أطوارحياتها العادية في طور واحد متسارع الأحداث للغاية.

الأموال المختلفة تقصر آن المالك المرتهن لها. ثم يكون تعويض اضطراري باستطالة الآن الشخصي.
اضعف ما يكون الانسان أو الشيء حالا و تأثيرا هو عندما يرتهن لمقتنياته، من عقل مستفاد أو أفكار أو صور خيالية أو أموال مادية، حتى لو كان المقتنى شريفا أي عقلا مسموعا أي عقيدة أممية أو مذهبية، باعتبار أن شعور الإيمان هو المهم و هو المعنى، بينما العقيدة لا تزيد عن مبنى بمكن تقشير الانسان منها أو تحسينها و تجديدها باستمرار أو هذا هو المفترض على الأقل، إذ أن المعرفة بالله سبحانه و تعالى التي هي: "أول الدين معرفته"، لا تتم أبدا، و لا تصح أبدا. و لو مارس الانسان تحسينها ألف سنة، إذ تبقى حقيقة الله سبحانه و تعالى يصدق عليها قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم: "كل شيء في بالك فهو هالك، و الله غير ذلك".
عندما يضطر إنسان لتسخير شيء من ذاته لتأسيس موضوع، فإن زمانه يتباعد، أو بتعبير فلسفي زمانه تتقاصر آناته، يضطر إلى التباطؤ بالنسبة إلى وتيرة ايقاعه المعتاد،
عندها يكون أشبه بالموظف الذي ينفق راتبه كله في الشهر، و اضطر في أول عشرة أيام لسبب ما إلى التقتير و البخل، في العشرة التالية سيضطر ايضا إلى سيرة معاكسة، أي التوسعة على نفسه و أهله فوق المعتاد لدرجة الإسراف و التبذير، و في العشرة الأيام الأخيرة يستعيد حال الانفاق الاختياري أي السماحة و الاقتصاد في الإنفاق.
أي الإنسان الذي يكلف نفسه الاجتهاد في موضوع يعيش أولا حالا سلبيا، بسبب تباطؤه و هو يؤسس الموضوع يشعر بالسلفية أو الرجعية أو الماضوية لا فرق، ثم ينتقل آليا و غصبا عنه إلى عيش حال معاكس إيجابي، فيه السيطرة تكون للذات على الموضوع، و هو حال تعويضي، مقابل التباطؤ يختبر الإنسان حال التدفق و الحدس و الشقشقة و المعنى واحد، و يشعر و هو يتعسف في استغلال موضوعه بالتقدمية أو المستقبلية، أي يتقارب زمانه أو يمتد لا فرق، و يكون وعيه متجها إلى ما هو آت من الأحداث و يمكنه التوقع حسب عقله، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و رضي عنه: "ظن الرجل على قدر عقله".
لكن بعد تجاوز الحالين الاضطراريين، أو يمكن تسميتهما بالشطرين السلبي و الإيجابي من الحال، يدخل في طور الملكة أو الرسوخ في العلم أو المهارة، و الملكة يصحبها الشعور بالحاضر أو الحداثة و الجدة، بسب اعتدال الزمان و توسطه بين التباعد السلفي و بين التقارب التقدمي.
و الزمان الحاضر يخصه توفر حرية الانسان و فرصة الاختيار، و انصاف الموضوع من الذات التي كانت تستغله تعويضا لها عن سابق تسخير نفسها في تنميته، فتكتفي الذات باستعمال موضوعها دون استغلاله، أي تستعمله لصالحه و صالحه، تستعمله مع مراعاة معطياته، بينما في الشطر السلبي من الحال يكون الانسان عرضه للاختراق قابلا للاضطهاد، و في الحال الإيجابي أيضا تنتفي فيه الحرية و الاختيار رغم ما يبدو من ظهور و بسطة و وقاحة، في علاقة الانسان الايجابي مع الآخرين. لكنه الانفجار الذي يحدث آليا و اضطرارا، و يكون صاحبه عاجزا عن الامتناع عنه، و الامساك بنفسه أو التحفظ و التورع على الأقل.

هنا السلفية و التقدمية و الحداثة لا علاقة لها بمعاني الأصولية الاسلامية و العلمانية الاشتراكية، بل هي مجرد مشاعر زمانية يعيشها مطلق إنسان من أي عرق و أية أمة و أي بلد.
00000000000000000000000000
ما تقدم من كلام في الدهر و الزمان يكفي للآن، و سوف يتبعه الكثير من المقالات إن شاء الله تعالى.
و هذه باقة من الأحاديث الأهلية لمن يستطيع إطالة نفسه أكثر، و يريد تجربة قدرته على التمييز الصعب.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و رضي عنه:--
"اَلدَّهْرُ ذُو حالَتَيْنِ: إبادَة وَ إفادَة؛؛؛ فَما أبادَهُ؛ فَلا رَجْعَةَ لَهُ، وَ ما أفادَهُ؛ فَلا بَقاءَ لَهُ"
"قَدْ أوْجَبَ الدَّهْرُ شُكْرَهُ؛ عَلى مَنْ بَلَغَ سُؤْلَهُ"
"كَمْ مِنْ ذي ثَرْوَة خَطير صَيَّرَهُ الدَّهْرُ فَقيراً حَقيراً"
"كَيْفَ تَبْقى عَلى حالَتِكَ وَ الدَّهْرُ في إحالَتِكَ ؟!"
"لا تَفْرَحَنَّ بِسَقْطَةِ غَيْرِكَ؛ فَإنَّكَ لا تَدْري ما يُحْدِثُ بِكَ الزَّمانُ"
"مَنِ اغْتَرَّ بِمُسالَمَةِ الزَّمَنِ؛ اِغْتَصَّ بِمُصادَمَةِ المِحَنِ"

الكنود هو الجاحد أي كافر النعمة منكر فضل المنعم عليه لا يشكره : "لا يحمد الله من لا يشكره"، قال تعالى: "إن الانسان لربه لكنود" فسر الحسن قوله تعالى بأنه لَوَّام لربه يَعُدُّ المصيباتِ و يَنْسى النِّعَم؛
الدهر كنود، كنود وصف لأخلاق الناس، كما يقال في الناسك صائم نهاره قائم ليله، و النهار لا يصوم، و الليل لا يقوم.

00000000000000000000000000000000000000000000000000 00

أبو رابعة محمد سعيد رجب عفارة
الإثنين 15\11\2010 مــ