المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة الشكوى


عايش
24-04-2010, 12:09 PM
عندما تقابل أي شخص تجده يشكو هذا الزمان ويتبرم منه وينعي الحاضر بوصفه بالزمن "الأغبر" الذي لا يرحم ولا يعرف فيه الناس قيمة الرجال , و كما يقول الدكتور محمد الرميحي "القاعدة الاجتماعية في كل الثقافات وفي كل العصور ولدى معظم البشر, أن ترى الجيل الأسبق يتذكر الماضي بحسرة, وينعي الحاضر". ولكن هل العصر الحديث بما فيه من تطور وتغير سريع في الأحداث سببا في تزايد ثقافة الشكوى أم هي ثقافة قديمة تظهر في كل جيل وكل عصر منذ أن سكن الإنسان هذه الأرض؟!

يعتقد معظم الباحثين وأهل الاجتماع أن عدم القدرة على تغيير الواقع يؤدي إلى تذكر الماضي ورسم صورة جميلة وزاهية له وبالتالي يأتي الحنين إليه والشوق لأيامه التي مضت ولن تعود وهذه تعتبر في نظر أهل الاجتماع حالة مرضية تؤثر بشكل كبير على العمل والإبداع في الحاضر وكذلك في التخطيط والتفكير للمستقبل.

ومن أطرف ما قيل في شكوى الزمن ما جاء في كتاب اسمه " فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" وهو كتاب قديم كُتب في القرن الثالث الهجري لكاتب عربي يدعى محمد بن المزربان, يتحدث فيه عن فساد الزمان ويقول (إن زماننا فاسد, بفساد مودة أهله وخسة أخلاقهم ولؤم طباعهم, وإن أبعد الناس سفرا, من كان سفره في طلب أخ صالح)! من الملاحظ أن ما يقوله الكتاب لا يختلف كثيرا عما نسمعه اليوم مع أن هذا كتب قبل أكثر من ألف سنة. يروى الكتاب أيضاً عن أبي ذر الغفاري أنه قال (كان الناس ورداً لا شوك فيه, فصاروا اليوم شوكاً لا ورد فيه ). وقال آخرون (كنا نخاف على الإخوان كثرة المواعيد وشدة الأعذار, أن يخلطوا مواعيدهم بالكذب واعتذارهم بالتزيد, فذهب اليوم من يعد بالخير, ومات من كان يعتذر من الذنب) .

يسرد الكتاب قصة لشخص يدعى أبو عباس المبرد قال, كنت عند بشر بن الحارث يوما, فرأيته مغموماً فما تكلم حتى غربت الشمس, ثم رفع رأسه وقال:

ذهب الرجال المُقتدى بفعالهم *** والمُنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يُزّين بعضهم *** بعضاً ليدفع معور عن معور
ثم يردف في نفس المعنى ليقول:

ذهب الذين إذا رأوني مقبلاً *** سروا وقالوا مرحبا بالمقبل
وبقى الذين إذا رأوني مقبلاً *** غُمّوا وقالوا ليته لم يقــــــبل

لا شك أن ما تحمله الأبيات السابقة من ذم لأخلاق الحاضر وسلوك أهله السيئ مقابل مدح الماضي واضحة المعاني وتتكرر كثيرا في زماننا فتجد من الناس الكثير الذي يعتقد أن من يريد له الخير قد ذهب ومات أما الآخرين الموجودين فهم يتمنون له الشر والمصائب.
نعود لشاعرنا بشر بن الحارث فقد قال أيضاً:

ذهب الملح من كثير من الناس *** ومــات الذين كانوا مــــلاحا
وبقى الأسمجون من كل صنف *** ليت ذا الموت منهم قد أراحا
كما يسرد الكتاب قصة طريفة لرجل يدعى عبد الله بن هلال الكوفي مع جار له كان يحسن معاملته وقد كان طلب منه أن يكتب كتابا إلى إبليس-لعنه الله- في حاجة له, فلما وصل الكتاب إلى إبليس فقرأه وقال ما حاجتك؟ قال: لي جار كريم شديد الميل إليّ, شفوق عليّ وعلى أولادي, إن كان لي حاجة قضاها, وإن احتجت إلى قرض أقرضني, وإن غبت خلفني في أهلي, وإبليس كلما استمع أليه يقول هذا حسن وهذا جميل فلما فرغ من وصفه قال ما تحب أن أفعل به؟ قال: أريد أن تزيل عنه نعمته وتفقره فقد غاضني أمره وكثر ماله وبقاؤه وطول سلامته, فصرخ إبليس صرخة جمعت إليه عفاريت الجن, وقالوا ما الخبر؟ قال : هل تعلمون أن الله قد خلق خلقا أشر مني ؟ قالوا: لا, قال: فانظروا للقائم بين يدي فهو أشر مني!! .

يتجلى في القصة السابقة الحقد والحسد البشري ولهذا كان اسم الكتاب لما يظهر من وقاحة أهل الحاضر ونكرانهم للجميل وانتشار الخصال السيئة فيهم إلى درجة تجعل الكلاب أفضل منهم, وقد ذكر الكاتب بعض من مزايا الكلاب عن العرب (إذا بصبص لك الكلب فثق في بصبصته, ولا تثق ببصابص الناس, فرب مبصبص خوّان!)
ويدلل على وفاء الكلاب بأن بعض العرب تسموا بها قديما فهناك فخوذ من العرب تسمى من اشتقاق الكلب, ككليب, وكِلاب, وكّلاب.. وهي ظاهرة نادرة في الثقافات الأخرى.

أعتقد أن كتاب المزربان دليل على أن ذم الحاضر وفساد الزمان هي صفة متلازمة لدى البشر تعود لنفس الأسباب التي تم ذكرها في البداية ولكن لا يمنع هذا أن هناك الكثير من الخصال الحميدة تنقرض كما تنقرض بعض الكائنات من الوجود, والحياة المدنية القائمة على المادة تساعد في نمو ثقافة الشكوى بحيث أصبحت طبيعية وجزء من حديث يومي عن تراجع القيم والأخلاق والمبادئ وانتشار الفساد الأخلاقي يساعد في ذلك كل مكونات الحاضر ولعلك تستمتع لهذا الحديث كثيرا من والديك في البيت ومن معلمك في المدرسة أيضاً.

اعذروني على الإطالة, وأترك المجال لكم كل يدل بدلوه.

عقاب
24-04-2010, 01:43 PM
اخي عائش طرحك جميل جدا طويل شوي بس قراته حرفا حرفا :)
ابدعت في طرح عنوان الموضوع .. ثقافه الشكوى.. من الماضي الى الحاظر والشكوى قائمة وملازمة للبشر.. فقد اسميتها ثقافه وابدعت في التسمية لما امتدت اليه وتوارثه البشر وكانه ملازم لطبيعه البشر في الشكوى والتذمر..
تقبل مروري المتواضع

موجه بحر
24-04-2010, 01:56 PM
اخ عايش طرح راقي وهام:IC122: لموضوع كثيرا مايلفت نظري

وهنا اتذكر قول الشاعر
نعيب زماننا والعيب فينا ومالزماننا عيب سوانا

واحنا لو تفكرنا بالدنيا لوجدنا ان الشمس والقمر ولارض كل شيئ حولنا هو هو ماتغير اللي بيتغير هم البشر بيموتو ناس ويولدو ناس
احنا اللي بنغير قوانين الكون وبنتخلى عن عقائدنا وقيمنا مقابل الوصول الى اهداف دنيويه زائله ومشينا على مبدء (الغايه تبرر الوسيله )
الحياه الماديه اسرت قلوبنا وعقولنا وكل ما نشوف الغلط والقسوه وغلظه القلوب تفشت نقول زمن يخوف والزمن ماله علاقه صنعنا الحروب والبارود والسموم
حتى الطبيعه ماسلمت منا وفي الاخير نقول زمن يخوف الولد يكون عاق لوالديه باختياره وغلظه قلبه والزوج يقسو على زوجته والزوجه ماترحم زوجها والجار يحاول ينكد على جاره وكل ذا ونقول زمن مايرحم وكان الزمن هو اللي يسوي كل ذا مو ايدينا وافكارنا وعقلياتنا وقلوبنا اللي ماتت
طبعا هذي ثالث مره اتفق معاك فيها اخ عايش http://www.the-yemen.com/vb/images/misc/TR%20%28313%29.gif

عايش
24-04-2010, 06:50 PM
اخي عائش طرحك جميل جدا طويل شوي بس قراته حرفا حرفا :)
ابدعت في طرح عنوان الموضوع .. ثقافه الشكوى.. من الماضي الى الحاظر والشكوى قائمة وملازمة للبشر.. فقد اسميتها ثقافه وابدعت في التسمية لما امتدت اليه وتوارثه البشر وكانه ملازم لطبيعه البشر في الشكوى والتذمر..
تقبل مروري المتواضع

أخي عقاب
اطلالتك دائما بهية ورائعة
كلنا نشكو الزمان ولكن عندما نعرف ان البشر يشكونه دائما في كل العصور فهذا ييخفف عنا بعض همومه

خالص شكري وتقديري

السهيل اليماني
24-04-2010, 07:15 PM
اختيااااااااااار للموضوع كنت موفق فيه
فلك كل التقدير والاحترااااااام
تقبل تحياااااااااتي

الفهد
24-04-2010, 07:21 PM
وهذه تعتبر في نظر أهل الاجتماع حالة مرضية تؤثر بشكل كبير على العمل والإبداع في الحاضر وكذلك في التخطيط والتفكير للمستقبل.

أن ذم الحاضر وفساد الزمان هي صفة متلازمة لدى البشر تعود لنفس الأسباب التي تم ذكرها في البداية ولكن لا يمنع هذا أن هناك الكثير من الخصال الحميدة تنقرض كما تنقرض بعض الكائنات من الوجود, والحياة المدنية القائمة على المادة تساعد في نمو ثقافة الشكوى بحيث أصبحت طبيعية وجزء من حديث يومي عن تراجع القيم والأخلاق والمبادئ وانتشار الفساد الأخلاقي يساعد في ذلك كل مكونات الحاضر ولعلك تستمتع لهذا الحديث كثيرا من والديك في البيت ومن معلمك في المدرسة أيضاً.

اخي عائش
هنا نقف اجلالاً لكلماتك هذه
قمة في الابداع والطرح الرائع
قمه في شرح الموضوع وتفنيده
لك مني كل الشكر والتقدير

عايش
24-04-2010, 07:25 PM
اخ عايش طرح راقي وهام:ic122: لموضوع كثيرا مايلفت نظري

وهنا اتذكر قول الشاعر
نعيب زماننا والعيب فينا ومالزماننا عيب سوانا

واحنا لو تفكرنا بالدنيا لوجدنا ان الشمس والقمر ولارض كل شيئ حولنا هو هو ماتغير اللي بيتغير هم البشر بيموتو ناس ويولدو ناس
احنا اللي بنغير قوانين الكون وبنتخلى عن عقائدنا وقيمنا مقابل الوصول الى اهداف دنيويه زائله ومشينا على مبدء (الغايه تبرر الوسيله )
الحياه الماديه اسرت قلوبنا وعقولنا وكل ما نشوف الغلط والقسوه وغلظه القلوب تفشت نقول زمن يخوف والزمن ماله علاقه صنعنا الحروب والبارود والسموم
حتى الطبيعه ماسلمت منا وفي الاخير نقول زمن يخوف الولد يكون عاق لوالديه باختياره وغلظه قلبه والزوج يقسو على زوجته والزوجه ماترحم زوجها والجار يحاول ينكد على جاره وكل ذا ونقول زمن مايرحم وكان الزمن هو اللي يسوي كل ذا مو ايدينا وافكارنا وعقلياتنا وقلوبنا اللي ماتت
طبعا هذي ثالث مره اتفق معاك فيها اخ عايش http://www.the-yemen.com/vb/images/misc/tr%20%28313%29.gif

اضافة متميزة لعضوه أكثر تميزا ً
اشكرك لتعقيبك وملاحظاتك واوافقك الرأي (أعتقد اننا تجاوزنا المرة الثالثة على النقاط المتفق عليها)

عايش
25-04-2010, 11:21 AM
اختيااااااااااار للموضوع كنت موفق فيه
فلك كل التقدير والاحترااااااام
تقبل تحياااااااااتي

شكرا على مرورك الكريم أخي الفاضل ...

عايش
25-04-2010, 11:24 AM
وهذه تعتبر في نظر أهل الاجتماع حالة مرضية تؤثر بشكل كبير على العمل والإبداع في الحاضر وكذلك في التخطيط والتفكير للمستقبل.

أن ذم الحاضر وفساد الزمان هي صفة متلازمة لدى البشر تعود لنفس الأسباب التي تم ذكرها في البداية ولكن لا يمنع هذا أن هناك الكثير من الخصال الحميدة تنقرض كما تنقرض بعض الكائنات من الوجود, والحياة المدنية القائمة على المادة تساعد في نمو ثقافة الشكوى بحيث أصبحت طبيعية وجزء من حديث يومي عن تراجع القيم والأخلاق والمبادئ وانتشار الفساد الأخلاقي يساعد في ذلك كل مكونات الحاضر ولعلك تستمتع لهذا الحديث كثيرا من والديك في البيت ومن معلمك في المدرسة أيضاً.

اخي عائش
هنا نقف اجلالاً لكلماتك هذه
قمة في الابداع والطرح الرائع
قمه في شرح الموضوع وتفنيده
لك مني كل الشكر والتقدير


أبو فهد
بل وجودك هنا هو قمة في الكرم
اشعر ان موضوعي اكتمل عندما اشاهد ردك