المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ((متجدد)) الظاهرة الحوثية بالتقصيل


"السلطه الرابعه"
30-10-2009, 05:21 PM
انفراد العصر: الظاهرة الحوثية (1) .. دراسة منهجية في طبيعة النشأة وعوامل الظهور وجدلية العلاقة بالخارج
د. أحمد محمد الدغشي / أستاذ أصول التربية وفلسفتها المشارك (كلية التربية) جامعة صنعاء

ومع ما أعلنه الجيش لاحقاً من القضاء التام عليها، إلا أنه من العسير الجزم بعدم تجدّد ذلك مستقبلاً، بالنظر إلى إعلانات مماثلة سابقة، في محافظة صعدة، ما تلبث أن ترد مفاجآت تالية تكشف خلافها، ولعل مردّ ذلك إلى التجذّر الأيديولوجي للجماعة، وتداخل الأيديولوجي المذهبي بالسياسي، والاجتماعي بالاقتصادي والتنموي، ثم ما يتردّد عن اختراقات أمنية تحقّقها العناصر الحوثية عبر بعض الشخصيات النافذة في الجيش اليمني، وبعض أجهزة الدولة ومفاصلها.




ملاحظة: (تنفرد العصر بنشر فصول من أهم الكتب في رصد الظاهرة الحوثية: دراسة منهجية في طبيعة النشأة وعوامل الظهور وجدلية العلاقة بالخارج، والكتاب تحت الطبع، وفيه معلومات مثيرة وتحليل عميق حول الحركة الحوثية التي أثارت جدلا واسعا في داخل اليمن وخارجه، وتخوض حاليا مواجهات دامية مع النظام الحاكم في صنعاء، والمعلومات المتوفرة حولها شحيحة وسطحية في مجملها.. ولهذا، وكما عودت العصر قارئها الكريم، فإنها تحاول ـ ما أمكن ذلك ـ تناول القضايا الشائكة والموضوعات الحساسة (ومنها الحركة الجوثية)، بقدر من العمق والاتزان والتميز، وهو ما نرجو أن تتسم به الفصول التي ننشرها من هذا الكتاب).

(الحلقة الأولى)

أخذت ظاهرة الحوثية حيّزاً هائلاً من الاهتمام الإعلامي، ومساحة واسعة من الجدل الثقافي والفكري على الصعيدين الداخلي والخارجي. وظهرت كتابات متباينة الوجهة، تأييداً ومعارضة، بدوافع مختلفة.

وإن الباحث الحرّ ليقف محتاراً حين يبحث عن كتاب أو دراسة علمية تتحلّى بقدر معقول من الموضوعية، فلا يجد إلا القراءة ذات اللون الواحد، وبالعين الواحدة، هي عين المحبّ الغالي، أو المبغض الشاني، فتدور كلّها ـ بحسب اطّلاع الباحث الحالي ـ بين ثنائية التقديس والتبخيس، أو الرفض المطلق، والقبول الكامل، وتلك آفة من يكتب في الفِرق والجماعات، في القديم والحديث، إلا من رحم ربك، كما أن ذلك يمثِّل التحدّي الأكبر أمام الباحث الحرّ النزيه، الذي يقوده البحث، لا أنه يقود البحث.

والمفارقة أننا جميعاً نزعم استنادنا في أحكامنا إلى القرآن الكريم، في حين نجد أن منهج القرآن يربّي أتباعه الجادّين على التحلّي بالموضوعية في أسمى معانيها، حتى مع غير أبناء ديننا، وذوي الاختلاف الكلّي معنا، من أبناء الديانات أو الحضارات الأخرى، كما في هاتين الآيتين ـ على سبيل المثال ـ {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً} (آل عمران: 75). {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون...}. (آل عمران: 113-115).

* مراحل التنظيم وتطوّراته:

يتضح من خلال التتبع لمسار الاتجاه الحوثي، أو ما عُرِف بتنظيم الشباب المؤمن، أنه مرّ بمرحلتين مفصليتين في مسيرته، وذلك على النحو التالي:

المرحلة الأولى، مرحلة التأسيس والتكوين:

وتبدأ منذ إعلانه عن نفسه عام 1990م، في بعض مناطق محافظة صعدة (تبعد عن صنعاء 240كم شمالاً)، أي بعيد إعلان الوحدة اليمنية والسماح الدستوري للتعدّدية السياسية إطاراً ثقافياً وسياسياً، بطبيعة المنهج الذي تم تقريره على الطلبة في الفترة الصيفية، وكذا المحاضرات التوعوية وجملة الأنشطة الفكرية والسياسية المصاحبة، والمقدَّمة لمنتسبي هذا التنظيم، أو المنتدى، أو الجماعة، وكانت تتضمن دروساً دينية، كالفقه، والحديث، والتفسير، والعقائد، إضافة إلى أنشطة مختلفة، كالرياضة، وتعليم الخطابة، والأناشيد، والمسرحيات، واللقاءات، والحوارات وغيرها، كل ذلك في إطار برنامج يومي مكون من ثلاث فترات: فترة صباحية، وفترة الظهيرة، وفترة المساء (راجع حوار صحيفة 26 سبتمبر مع محمد يحي سالم عزان في 15 مارس - آذار 2007).

وغدت هذه المراكز قبلة لكثير من الطلاب القادمين إليها من مختلف المحافظات، المعروفة تاريخياً بانتمائها إلى المذهب الزيدي الهادوي، ثم تجاوز الأمر محافظة صعدة إلى العديد من المحافظات والمدن، ذات الطابع الشيعي الزيدي الهادوي، التي فتحت مراكز خاصة بها، وفق المنهج القائم في صعدة.

وبلغ ـ حسب مصدر في صعدة يزعم إطلاعه ـ عدد الطلاب في تلك المراكز نحو 15,000 طالب في صعدة (راجع تقريراً عن النزاع في محافظة صعدة: الخلفية والتطور على موقع (إيرين نيوز) مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية صنعاء في 27/7/2008)، و18000 طالب، بحسب بيان صادر باسم الإثني عشريين اليمنيين (راجع نص البيان في: صحيفة الناس العدد (231)21\12\1425هـ ـ 31\1\2005م).

وتفيد بعض المصادر الصحفية أنه "خلال سنوات قليلة صار للمنتدى أكثر من 67 حلقة تدريس، ومدرسة، تجاوزت صعدة إلى قرابة 9 محافظات يمنية، بل وصلت إلى دول خليجية منها قطر. وللمرة الأولى، نجح فريق من شباب المنتدى المتحمسين في إعداد «منهج دراسي» وطباعته، كان الشرارة التي أشعلت الخلاف، بعد أن كان متوارياً بسبب تداخلات النفوذ الاجتماعي والديني". (نبيل الصوفي، تفاصيل الثورة الحوثية الشيعية الزيدية مع الحكومة اليمنية ، صحيفة الحياة (3/6/2007م)).

وتفصّل مصادر صحفية أخرى ذلك على النحو التالي: صعدة 24 مركزاً، عمران 6 مراكز، حجة 12 مركزاً، أمانة العاصمة والمحويت وذمار 5مراكز في كل واحدة منها، إب وتعز مركز في كل واحدة منهما (أحمد عايض، الحوثيون والحوزات العلمية ونشر المذهب، موقع أسرار بريس).

ويبدو للباحث أن أحد العوامل الأساسية لقيام تلك المراكز، هو الردّ العملي على التحدّي الذي شكّله قيام مركز (دماج) السلفي التقليدي في مديرية وادعة القريبة من مدينة صعدة، بإدارة الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي (ت:1422هـ-2001م): رأس الدعوة السلفية في اليمن، مع ما يُعلم تاريخياً من كون منطقة صعدة تمثّل كرسي الزيدية الهادوية في اليمن.

وقد عُرف عن الشيخ الوادعي، اتسام شخصيته بثقافة سلفية تقليدية هجومية حادّة، ومناظرات تمثلت في جملة إصدارات مطبوعة ككتبه الثلاثة (رياض الجنّة في الردّ على أعداء السنة) و(الطليعة في الرد على غلاة الشيعة) و(حكم القبة المبنية على قبر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلّم) (جمعت كلّها في مجلّد واحد، 1415هـ، الطبعة الأولى، د.ت، د.م:د.ن)، وسيل من الأشرطة المركّزة ـ بوجه خاص ـ على خصومه الشيعة، سيما في محافظة صعدة. وهو ما قاد الطرف الحوثي إلى ردود فعل، بعضها مطبوع، ومن أشهرها كتاب (تحرير الأفكار) للمرجع الزيدي الهادوي بدر الدين الحوثي أبي حسين الحوثي، الذي خصّصه للرد على بعض كتب الوادعي (تحرير الأفكار، 1415هـ- 1995م، صنعاء: مؤسسة أهل البيت للرعاية الاجتماعية)، وخاصة الكتابان المشار إليهما آنفاً.

وقد أفصح عن ذلك في حوار صحفي حين سئل: السلفيون الآن يزداد تواجدهم، وكان مركزهم في صعدة ...كيف تنظر إليهم؟ فقال: "لقد رديت [هكذا والصواب رددت] عليهم، وألّفت ضدّهم كتباً..."، (حوار صحيفة الوسط مع بدر الدين الحوثي، أجرى الحوار جمال عامر، 9 مارس 2005م).

ويبدو أن للفكر التربوي الذي تمكنّت وزارة التربية والتعليم بمناهجها الدينية التوفيقية المعتدلة، وكذا مناهج المعاهد العلمية وأنشطتها البعيدة عن إثارة الروح المذهبية من زراعته في نفوس الناشئة، أثراً إيجابياً في تحقيق ذلك التصالح والتسامح، إلى أن جاءت استثارة النزعة المذهبية من قبل الدعوة (الوادعية)، إلى جانب إحساس عميق كامن تارة وصريح تارة أخرى في نفوس بعض أبناء المذهب الزيدي هنالك، بالقضاء على مذهبهم وضياع تراثهم، واستهدافهم من قبل (الوهابية) القادمة بقوّة من وراء الحدود.

وزاد من حدّة الأزمة ـ كما سيرد لاحقاً ـ تزامن ذلك مع الإعلان عن انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، وما أعلنته من سعي حثيث لتصدير الثورة، فقاد مجمل ما سبق إلى إعادة الصراع جَذِعاً، وجرّ ـ من ثمّ ـ إلى مناصبة كثير من المتمذهبة الزيدية في محافظة صعدة بوجه خاص العداء للفكر السنّي بعامة، بل لقد حدث تراجع محدود لعدد من أبناء الشريحة (الهاشمية) ـ بوجه خاص ـ بمن فيهم بعض المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، عن المنهج السنّي، لصالح المذهب الهادوي أو (الجارودي)، الذي يمثّل الوجه الآخر لبعض متمذهبة الزيدية المعاصرين.

* المرحلة الثانية: مرحلة المواجهة المسلّحة:

ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي مرحلة التنظيم المسلّح العلني للشباب المؤمن، أو ما بات يُعرف بجماعة الحوثي، وتبدأ منذ الشهر السادس من عام 2004م، حيث تحوّل التنظيم ـ أو قسم منه ـ إلى تلك الميلشيات العسكرية ذات البُعد الأيديولوجي.

وقد خاض خمس حروب مع الجيش اليمني، على مدى يزيد قليلاً عن أربعة أعوام، بدءاً من 18\6\2004م وحتى 17\7\2008م، وإن تخللت كل حرب وأختها استراحة محارب، رغم الإعلان الرسمي من الجانبين الالتزام بإيقاف الحرب، مع ملاحظة أن المبادرة عادة ما تبدأ من قيادة الجيش اليمني، حيناً، أو من الرئيس اليمني شخصياً حيناً آخر.

ويلفت النظر إلى أن الحرب الخامسة قد توسّع نطاق عملياتها، حيث لم تنحصر على مناطق صعدة، كما حدث في الحروب الأربعة السابقة، بل تفجّرت في بعض المناطق ذات الولاء التقليدي للزيدية الهادوية (الجارودية)، ومن عُمق تلك المراكز (العلمية) التي أنشئت في سنوات سابقة، في إطار نشاط جماعة الشباب المؤمن، ومنها مديرية بني حشيش، إحدى أقرب مديريات محافظة صنعاء، حيث قامت بعض عناصر الحوثي بفتح جبهة جديدة هنالك، استنزفت الجيش اليمني كثيراً.

ومع ما أعلنه الجيش لاحقاً من القضاء التام عليها، إلا أنه من العسير الجزم بعدم تجدّد ذلك مستقبلاً، بالنظر إلى إعلانات مماثلة سابقة، في محافظة صعدة، ما تلبث أن ترد مفاجآت تالية تكشف خلافها، ولعل مردّ ذلك إلى التجذّر الأيديولوجي للجماعة، وتداخل الأيديولوجي المذهبي بالسياسي، والاجتماعي بالاقتصادي والتنموي، ثم ما يتردّد عن اختراقات أمنية تحقّقها العناصر الحوثية عبر بعض الشخصيات النافذة في الجيش اليمني، وبعض أجهزة الدولة ومفاصلها.
وقد أفصح بدر الدين الحوثي عن قدر من ذلك في رسالة منسوبة إليه بهذا الشأن..ولا شك أن للأهداف الانتهازية والمادية الرخيصة أثرها في ذلك، تلك التي لا تجد لها مُناخاً أفضل من مُناخ الأزمات وصناعة الفتن، حيث يثرى فيها تجّار الحروب، وتعلو أسهم ذوي المزايدات.




يتبع 00000>

"السلطه الرابعه"
30-10-2009, 05:25 PM
انفراد العصر: الظاهرة الحوثية (2) عوامل الظهور

د. أحمد محمد الدغشي / أستاذ أصول التربية وفلسفتها المشارك (كلية التربية) جامعة صنعاء
http://www.alasr.ws/images/asr-spacer.gif
يقدّم المرجع الشيعي بدر الدين الحوثي فكرة أقرب ما تكون إلى ولاية الفقيه، وإن لم يقصد حقيقة هذا المدلول وأبعاده ومآلاته بالضرورة، تلك التي أتى بها الإمام الخميني للخروج من السلبية التي ظلت ترزح تحتها الإمامية الإثني عشرية طيلة تاريخها المديد، حيث عطّلت الحياة، فلا إقامة صلاة جمعة، ولا جهاد، في ظل غيبة الإمام (الشرعي) الثاني عشر، فارتأى الخميني أن يخرج نظريته المعروفة بـ(ولاية الفقيه) إلى واقع التطبيق، ليتمكن مذهبه من التفاعل الإيجابي مع الواقع السياسي والاجتماعي، عوض الانكفاء الداخلي، إلى حين يخرج الإمام الغائب من سردابه، وليس ثمّة تاريخ محدّد لذلك!



ملاحظة: تنفرد العصر بنشر فصول من أهم الكتب في رصد الظاهرة الحوثية: دراسة منهجية في طبيعة النشأة وعوامل الظهور وجدلية العلاقة بالخارج، والكتاب تحت الطبع، وفيه معلومات مثيرة وتحليل عميق حول الحركة الحوثية التي أثارت جدلا واسعا في داخل اليمن وخارجه، وتخوض حاليا مواجهات دامية مع النظام الحاكم في صنعاء، والمعلومات المتوفرة حولها شحيحة وسطحية في مجملها.. ولهذا، وكما عودت العصر قارئها الكريم، فإنها تحاول دائما تناول القضايا الشائكة والموضوعات الحساسة (ومنها الحركة الجوثية)، بقدر من العمق والاتزان والتميز، وهو ما نرجو أن تتسم به الفصول التي ننشرها من هذا الكتاب.

(الحلقة الثانية)

تشكل معرفة القوى والعوامل المؤثرة في بروز أية ظاهرة ـ ومنها الظاهرة الحوثية ـ عاملاً هاماً من الناحية المنهجية، ولاسيما في الدراسات ذات الصلة بأصول التربية وفلسفتها.

ويمكن تقسيم عوامل ظهور الحوثية وبلوغها هذا المدى من التأثير والانعكاس على الوضع العام في اليمن إلى عوامل ذاتية داخلية، انسجاماً مع المنطق القائل: إنه لا يمكن لأية فكرة قادمة من الخارج أن تجد لها قبولاً أو ترحيباً ما لم يكن ثمّة استعداد ذاتي داخلي لدى أهلها، وقابلية لاحتضانها ورعايتها وأخرى خارجية طارئة، مع الإشارة إلى أنّه يتعذر الفصل الكامل بين العاملين، كما يتعذّر إطلاق أحكام جزافية غير محقّقة من مثل أن العامل الخارجي هو الأساس، والفكر الحوثي نسخة مطابقة لغيره، فالحق أن ثمة تداخلاً لا يخفى على متابع جيّد ـ كما سيتضح لاحقاً ـ، ويبدأ الباحث بالعوامل الذاتية الداخلية، وذلك على النحو التالي:

أولاً، العوامل الداخلية:

1 ـ جذور التشيّع السياسي:

لاشك لدى المؤرخين أن الفرقة الزيدية المشار إليها آنفاً تمثِّل واحدة من فِرق التشيّع، وإن كان السائد في أدبيات أهل السنّة أنها الأعدل والأكثر قربا،ً من بين فرق الشيعة الأخرى.

وإذا غضضنا الطرف عن التراثين الجعفري الإثني عشري الإمامي والزيدي، بما فيه الهادوي، من حيث الخلاف الكلّي الشهير بين المذهبين، لتتجه أنظارنا صوب الواقع السياسي، على مدى العقود الثلاثة الماضية تحديداً، فسنلفى قدراً من التقارب الملحوظ، بين فرقة الزيدية الهادوية المعاصرة حيناً، والزيدية الجارودية حيناً آخر، وبين الفرقة الأشهر والأكثر اتساعاً وهي الشيعة الإمامة الجعفرية الإثني عشرية، من خلال أرضية التشيّع، بصرف النظر عن اختلاف طبيعة المذهبين، وفلسفة كل منهما، ومدى قيام توجّه مقصود لدى الطرفين لحدوث ذلك القدر من التقارب .

أجل، إن مسألة حصر الخلافة أو الإمامة ـ على سبيل المثال ـ من المسائل المشتركة بين الطائفتين الكبريين في العالم الإسلامي، وهما أهل السنة والجماعة من جهة والجعفرية الإمامية الإثني عشرية من الجهة الأخرى، من حيث عدم الالتفات إلى معايير العدالة والكفاءة والمساواة والحرية من الأساس لدى الإمامية، إذ تعدّها محصورة في اثني عشر إماماً معصوماً، أولهم علي بن أبي طالب، رضي الله عنه (ت:40هـ)، وآخرهم محمّد بن الحسن العسكري المختفي، حسب اعتقادهم، في سرداب بسامراء العراق، حتى خروجه (يقال إنه ولد: 255هـ، ولا يُعرف تاريخ دقيق لاختفائه)، فيملأ الأرض عدلاً، بعد أن ملئت جوراً، وبذلك فهو المهدي المنتظر عندها، في حين لا يلتفت جمهور فقهاء أهل السنة إلى تلك المعايير إلا بعد توافر شرط القرشية أولاً في الخليفة أو الإمام.

لكن سيغدو ـ في نظر الباحث ـ من قبيل تسطيح الأحداث، استنتاج أن الأمر كذلك بالنسبة للزيدية الهادوية المعاصرة ـ دعك من الجارودية ـ في سياق الحديث عن تداخل العوامل الداخلية بالخارجية، حين تحصر حق الخلافة أو الحكم في البطنين (الحسني والحسيني)، في ضوء جملة من المعطيات التي تؤكّد قيام علاقة تأثر معاصرة بالفكر الإثني عشري في بعض الجوانب، وأبرزها الجانب السياسي على نحو ما.

ما يريد الباحث أن يخلص إليه في هذا السياق، أن أرضية التشيّع بين المذهبين الجعفري الإمامي الإثني عشري وبين الزيدي الهادوي قد ساعدت على تقارب في الوجهة بين المذهبين في الجانب السياسي، على سبيل المثال على نحو ما سيتم تناوله بقدر من التفصيل عند الحديث عن العوامل الخارجية الطارئة.

ومع أنه من المقرّرات السائدة في الفكر السياسي الزيدي الهادوي مسألة الحصر في البطنين تلك؛ إلا أن ما يتردّد أحياناً من أحاديث على ألسنة بعض رموز التيار الحوثي أو الذين يعلنون تعاطفهم مع أفكار الحوثي ومطالبه، ممن يؤكِّد انتسابه إلى المذهب الزيدي، وإصرارهم على أن تلك مسألة تاريخية، وأن الدستور والقانون هما اليوم المرجعان الحاكمان لمسار العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أمر يثلج الصدر حقّاً، بيد أنه لا يستقيم مع تصريحات أكبر تلك الرؤوس، وهو المرجع الشيعي الزيدي الأعلى، بدر الدين أمير الدين الحوثي (والد حسين) ـ على سبيل المثال ـ حين صرّح بمسألة الحصر تلك، رغم محاولاته ـ في حوار صحفي شهير ـ تجنّب ذلك، كلما حوصر بسؤال، لكنه اضطر للإعلان بما يعتقد صحته، ولم يقوَ على المداراة، والتعلّق بأهداب نصوص الدستور والقانون.

وحين أبدى مرونة نسبية في إجازة حكم غير الهاشمي، وجّه إليه الصحفي سؤاله قائلاً: "أعتبرها فتوى منك، أنه يجوز أن يحكم أيَّأً كان، ولو من غير آل البيت؟"، فأجابه بدر الدين الحوثي بتفصيل ذلك قائلاً: "هناك نوعان، نوع يسمّى الإمامة وهذا خاص بآل البيت، ونوع يسمّى الاحتساب، وهذا يمكن في أي مؤمن عدل، أن يحتسب لدين الله، ويحمي الإسلام ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو لم يكن من البطنين" فسأله الصحفي: كيف توفِّق بين هذين النوعين؟ فأجاب: "لا يوجد تعارض لأنه إذا انعدم الإمام يكون الاحتساب" (حوار صحيفة الوسط مع بدر الدين الحوثي ، مرجع سابق).

إن هذا الحوار يمثّل مصدراً هاماً في معرفة منهجية الفكر السياسي الحوثي، إذ يقدّم المرجع الشيعي بدر الدين الحوثي فكرة أقرب ما تكون إلى ولاية الفقيه، وإن لم يقصد حقيقة هذا المدلول وأبعاده ومآلاته بالضرورة، تلك التي أتى بها الإمام الخميني للخروج من السلبية التي ظلت ترزح تحتها الإمامية الإثني عشرية طيلة تاريخها المديد، حيث عطّلت الحياة، فلا إقامة صلاة جمعة، ولا جهاد، في ظل غيبة الإمام (الشرعي) الثاني عشر، فارتأى الخميني أن يخرج نظريته المعروفة بـ(ولاية الفقيه) إلى واقع التطبيق، ليتمكن مذهبه من التفاعل الإيجابي مع الواقع السياسي والاجتماعي، عوض الانكفاء الداخلي، إلى حين يخرج الإمام الغائب من سردابه، وليس ثمّة تاريخ محدّد لذلك!

ومهما يكن في ذلك من معالجة مؤقتة لمشكلة تاريخية ودينية مؤرقة، سواء لأتباع الإثني عشرية أم الهادوية القائلة بحصر الإمامة في البطنين؛ فإن ذلك لا يعدو إجراء استثنائياً لا يغيّر من حقيقة أن الأصل هو الحصر في اثني عشر إماماً عند الإثني عشرية أو البطنين عند الزيدية الهادوية، وفي ذلك إشكال حقيقي عبّر عنه العلامة الحوثي بقوله "الانتخاب والديمقراطية طريقة، لكن الإمامة طريقة ثانية". بل أجاب في موطن لاحق من الحوار ذاته إجابة ذات دلالة جليّة حين سئل: "أنت كمرجع شيعي موجود: هل تقرّ بشرعية النظام القائم؟"، فأجاب: "ما علينا من هذا الكلام لا تحرجني" (المرجع السابق).

والباحث، وإن كان لا ينازع في أن بعض الاجتهادات التاريخية لدى السنة والشيعية ـ على حدّ سواء ـ مما فرضته أحداث أو وقائع تاريخية معيّنة، تدفع الفقهاء الواعين، من الفئتين، لأخذ العبرة منها، لا الدعوة إلى إحيائها وإعادتها جَذِِعة اليوم، وكأننا لا نعتبر، بل نريد أن يَعتبر بنا الجيل القادم.

بيد أن حديث المرجع الزيدي الأعلى عن أمر الولاية بهذا الوضوح والصراحة، مما لا يجوز التقليل من شأنه، بوصفه مرجعاً دينياً لا يصدر أتباعه في أي من حركتهم العبادية أو السياسية التي تثير الجدل أو النزاع، إلا وقد اطمأنوا إلى موافقته على ذلك.

من هنا يتفهم الباحث ذلك الحرج البليغ الذي أوقع بدر الدين الحوثي أولاده وأتباعه فيه بعد هذا الحوار، مما دفع ولده عبد الملك، ليبعث رسالة إلى رئيس الجمهورية، بعد نشر حوار والده وما أحدثه من تداعيات سلبية على الفكر الحوثي ودعاته أمام الدولة والنخبة وعموم المتابعين، حتى من المتعاطفين مع حركته، يؤكّد فيها التزامه وحركته بالنظام الجمهوري والدستور والقانون، وأن ما صدر عن والده في حوار صحيفة الوسط، إنما هو حديث عن نظرية زيدية، دون أن يقصد السعي من وراء ذلك إلى تحقيقها على أرض الواقع، نظراً لخطورة المرحلة.
وأبدى استعداده وأتباعه لمد يد السلام والوئام إلى الرئيس (راجع نص رسالته بتاريخ 25\5\2005م في: عادل الأحمدي، (وثيقة)، مرجع سابق، ص 373-375)، كما نوّه في آخر رسالته إلى أنه ـ أي عبد الملك ـ كان قد أرسل تعقيباً على مقالة والده نشرها في صحيفة الوسط ذاتها، بعنوان (المرحلة ليست مرحلة الإمامة).



يتبع........>

شاب بزمن شايب
30-10-2009, 11:26 PM
مشكووووووووووور اخي السلطه على هذا المجهود
شرح مميز ولا عليه غبار
تسلم

احمد غلاب
01-11-2009, 11:18 PM
ياأخي زهقنا من كلمة حوثي الله ينتقمه وينتقم من كان السبب في دخول البلاد في مثل هذه الدوامات العمياء .